تعقيب على جواب الأستاذ مصطفى بنحمزة بشأن تحري استقبال القبلة

د.مصطفى صادقي - وجدة
لقد اطلعت على رد فضيلة الأستاذ مصطفى بنحمزة على الرسالة المفتوحة التي وجهتها إلى المجلس العلمي المحلي بوجدة، في شأن تحري استقبال القبلة ببعض مساجد مدينة وجدة، وقد اختار فضيلته أن يكون الجواب على الرسالة على هامش درس ألقاه بأحد المساجد بين العشاءين.

ولأن الرد حمّل رسالتي أبعادا خطيرة لا تحتملها، بالرغم من أنها كانت عبارة عن توجيه وطلب عادي، موجه إلى مؤسسة عمومية تعنى بالشأن الديني (المجلس العلمي) قصد التحري والبث في بعض الاختلالات المرتبطة بمسألة استقبال القبلة، فإنني أدلي ببعض الملاحظات في الموضوع الأصلي، وأضرب صفحا عن الهوامش التي لا طائل من ورائها (جماعة الأحباش الضالة، انعدام الفقه، إخراج الناس من المساجد، إبطال صلاة الناس، دعوى يراد بها شيء آخر...)، لأن نيتي يعلمها الله تعالى، وإذا لم أعذر وأنا أتحرى في أمر الصلاة فلا أعلم فيم أعذر.

إن رد فضيلة الأستاذ لم يتطرق إلى جوهر المشكلة في استقبال القبلة، والاختلالات المرتبطة بها في بعض مساجد وجدة، فليست المشكلة في الواجب هل هو استقبال عين الكعبة أو جهتها لمن بعد عن مكة، فمعلوم أن جمهور العلماء -ومنهم المالكية- قالوا بالجهة، وقد أشرت إلى ذلك في الرسالة؛ ولكن المشكلة هل القول بالجهة يحتمل كل هذا التوسع والاستسهال الملاحظ في بعض المساجد. إن فقهاء المذهب مع قولهم بالجهة أوجبوا الاجتهاد والتحري في ضبط القبلة حسب المستطاع، وأوجبوا على من أدرك أنه انحرف ولو يسيرا أن يصحح ولو كان في الصلاة دون أن يقطعها، فكيف بالمساجد التي نعلم أنها منحرفة أكثر من سبعين درجة ثم نتمسك بالجهة ولا نقبل أي تصحيح؟ ولا علاقة للتصحيح بالصلاة السابقة، فلم يقل أحد بوجوب إعادتها ولا بكونها باطلة.

إن مسألة انحراف قبلة القرويين التي أوردها الأستاذ في رده، إنما هي في الحقيقة ترد عليه، لأن انحراف مسجد القرويين لا يخرجه عن جهة القبلة، بل هو ازورار يسير ضمن الجهة، ومع ذلك حين أدرك الميقاتي سيدي العربي الفاسي انحرافه وكتب رسالة في ذلك، أمر المولى إسماعيل بهدمه وإعادة بنائه، غير أن الفقهاء أشاروا بعد هدمه لما في ذلك من تضييع للأموال، وأشاروا بأن ينحرف الإمام ويقول المؤذن بعد كل إقامة "حرفوا بتحريف الإمام يرحمكم الله"، والعمل على ذلك مستمر إلى يومنا هذا.

 

والشواهد في هذه الحادثة كثيرة، أولها أن الفقهاء قالوا بوجوب تصحيح الاستقبال رغم أن الانحراف كان يسيرا أي لم يخرج عن الجهة عموما، وثانيها أنهم قبلوا اجتهاد الميقاتي رغم بساطة وسائل تحديد القبلة في عهدهم، وثالثها أن التصحيح لا يقتضي إبطالا للصلوات السابقة، ولا يستلزم التشكيك في عبادة الناس، وإنما هو رجوع إلى الصواب وعمل بأمثل الاجتهادات في تحقيق القبلة، ورابعها أن التصحيح شمل الإمام والمأمومين معا، خامسها أن تصحيح الاستقبال أمر ميسور ولا يتطلب هدم المساجد ولا إفراغها من أهلها...

إذا كان علماء المغرب قديما قد تجاوبوا بإيجابية مع تصحيح الميقاتي، فلماذا يرفض السيد رئيس المجلس العلمي مجرد إلقاء مسألة تحري القبلة؟ ولماذا يستبعد كل نوع من أنواع تصحيح الاستقبال؟ ولماذا يسكت عن الارتباكات التي أشرت إليها في الرسالة، مثل الاختلاف بين الإمام والمأمومين في الاستقبال إلى خمس وأربعين درجة مائوية (°45) في بعض المساجد؟ ولماذا يصر على أن يبقى الوضع على ما هو عليه رغم أن واجب المجلس العلمي أن يتحرى في كل ما يمس الشأن الديني ويعمل على إصلاحه؟

ثم ذكر فضيلة الأستاذ أن هناك ناسا مكلفين بتحديد قبلة المساجد، فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا ينقض قول الأستاذ من أصله، إذ ما وظيفتهم وما فائدتهم غير تحري القبلة والاجتهاد فيها إلى أقصى ما يستطيعون وفوق ما تستطيعه العامة، وإلا إن كان المطلوب هو الجهة مطلقا فلا حاجة إليهم، فإن الناس جميعا يعلمون أن قبلتنا في وجدة في اتجاه الشرق، يستوي في ذلك المثقف والأمي والعالم والعامي.


والواقع يشهد أن مسألة القبلة في بعض مساجد وجدة تشهد تساهلا وتسيبا غير مقبولين في الفقه المالكي، فكيف يعقل أن تبنى المساجد حسب تصميم التجزئات السكنية، وتدور القبلة مع الطريق العمومي حيث دار؟ وكيف يعقل أن تحدد قبلة أحد المساجد في اتجاه، ويصلي الناس بضعة أشهر هكذا ثم تحول تسعين درجة (°90) إلى جدار آخر، والقبلة ليست إلى هذا الجدار ولا إلى ذاك؟ وكيف يعقل أن يختلف المسجدان المتجاوران في نفس الحي في القبلة إلى ما يفوق خمسا وسبعين درجة (°75)؟ وكيف يعقل أن تكون قبلة بعض المساجد في زمن العلم لا تتوافق حتى مع أدلة القبلة التي حددها الفقهاء قديما؟ ولا أريد أن أسمي بعض المساجد أو أن أذكر أمثلة واقعية، لأن ذلك دور المجلس العلمي ولجنة تسميت القبلة.

أما عن المسجد الكبير أو الأعظم بوجدة، الذي ذكره الأستاذ مستدلا به على أن المساجد القديمة لم تكن دقيقة في قبلتها ومع ذلك لم يتحرج الناس من الصلاة فيها، فأقول بالعكس من ذلك إن قبلة المسجد الأعظم دقيقة جدا، ودرجة الانحراف فيها مهملة لا تتعدى بضع درجات مما لا يمكن التحرز منه، بخلاف بعض المساجد التي أسست في الآونة الأخيرة، التي قد تصل تتجاوز درجة الانحراف فيها الخمسين أو الستين درجة؛ فهل كان المرينيون أعلم بالجغرافيا والهيئة من علماء زماننا؟

وختاما أقول إن القبلة من أمر الصلاة، والتحري في تحصيلها واجب، وأن التيسير في شأن الاستقبال لا يعني ترك الاجتهاد والتدقيق حسب المستطاع، بل ينصرف إلى عدم الإلزام بإعادة الصلاة إن صلى منحرفا بناء على اجتهاد خاطئ، أما أن يترك الاجتهاد الأمثل وهو يقدر عليه ويصلي كما اتفق، فلم أعلم من قال بذلك من العلماء.

هذا منتهى القول في هذا الصدد، والأمر يعود أولا وأخيرا للمسؤولين عن الشأن الديني بالمدينة، فليروا رأيهم مشكورين مأجورين، والله الموفق للصواب، والحمد له رب العالمين.

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية