إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ…

هبة زووم - ليلى البصري
يقول الحق سبحانه {أَلَمْ تَرَ‌ أَنَّ اللَّـهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَ‌جْنَا بِهِ ثَمَرَ‌اتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ‌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَ‌ابِيبُ سُودٌ ﴿27﴾ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ‌ ﴿28﴾} [فاطر].

إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ... ۗ آية عظيمة جداً و تضم في طياتها معاني جليلة. فإن لم تكن عليماً بقواعد اللغة العربية، (لغة القرآن و لغة أهل الجنة، كما أخبرنا النبي الكريم عليه  الصلاة و السلام.) فاحذر لإنك حتما ستشكك فيها و بالتالي يتزعزع إيمانك... سنحاول إعراب هذه الآية معا علنا نفهم سياقها قبل أن نبدأ في الكلام عن بعض دلائلها.

إنما: إنّ: حرف ناسخ و توكيد ونصب و مشبه للفعل مبني على الفتح لا محل له من الإعراب ، و ما : كافة كفت..
أو نقول عنها " إنما " : كافة و مكفوفة .
يخشى: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة منع من ظهورها التعذر .
الله: لفظ الجلالة أو اسم الجلالة مفعول به منصوب و علامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
من: حرف جر مبني على السكون لا محل له من الإعرا.
عباده: اسم مجرور و علامة جره الكسرة الظاهرة على آخره ، و هو مضاف ، و الـ " ها " : ضمير متصل مبني على الكسر في محل جر بالإضافة.
و الجار و المجرور متعلق بحال من العلماء "
العُلَماء: فاعل مؤخر مرفوع و علامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
و" إنما يخشى الله من عباده العلماء " استئنافية لا محل لها من الإعراب
فالذي يخشى هنا، العلماء، و ليس الله عز و جل، كما يفهم البعض... لان الفاعل هو العلماء...

أما عن مغزى هذه الآية، فقد بينه الكثير من الأئمة و علماء الدين، من أبرزهم ابن كثير الذي قال في تفسير هذه الآية:
"إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القديم أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر."

وقال القرطبي : يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته، فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على معصيته، كما روي عن ابن عباس "إنما يخشى الله من عباده العلماء" قال: الذين علموا أن الله على كل شيء قدير.

وقال أنس: من لم يخش الله فليس بعالم.

وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علما، وبالاغترار جهلاً......

وقال الزمخشري في الكشاف: والآية سيقت للحث والتحريض على النظر في عجائب صنع الله تعالى، وآثار قدرته ليؤدي ذلك إلى العلم بعظمة الله وجلاله، ويؤدي العلم إلى خشية الله تعالى، ولذلك ختمها بقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فتدبر سر القرآن.

وقال سيد قطب في تفسير الظلال: هذه الآية لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب، تبدأ بإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات المختلفات الألوان، ثم تنتقل إلى ألوان الجبال، ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، واللفتة إلى ألوان الصخور وتنوعها داخل اللون الواحد، تهز القلب هزا وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي بما يستحق النظر والالتفات، ثم ألوان الناس، وهي لا تقف عند حد، وكذلك ألوان الدواب والأنعام، ذات الألوان والأصباغ العجيبة كلها معروضة للأنظار في هذا الكتاب الكوني، الجميل الصفحات العجيب في التكوين والتلوين... يفتحه القرآن الكريم، ويقلب صفحاته ويقول: إن العلماء الذين يتلونه ويذكرونه ويتدبرونه هم الذين يخشون الله حق خشيته: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ... والعلماء هم الذين يتدبرون هذا الكتاب العجيب، ومن ثم يعرفون الله معرفة حقيقية، يعرّفون بآثار صنعته، ويذَركون بآثار قدرته، ويستشعرون حقيقة عظمته برؤية حقيقة إبداعه، ومن ثم يخشونه حقا، ويتقونه حقا، ويعبدونه حقا، لا بالشعور الغامض الذي يجده القلب أمام روعة الكون.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (17/21) :
" قوله تعالى : ( إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لا يَخْشَاهُ إلا عَالِمٌ ; فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ كَمَا قَالَ فِي الآيَةِ الأُخْرَى : ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) الزمر/9 " انتهى .

وقال السعدي رحمه الله :

" فكل مَنْ كان بالله أعلم ، كان أكثر له خشية ، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي ، والاستعداد للقاء مَنْ يخشاه ، وهذا دليل على فضل العلم ، فإنه داعٍ إلى خشية الله ، وأهل خشيته هم أهل كرامته ، كما قال تعالى : ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) البينة/8 "

و في الختام، احب أن أضيف انه من لم يدلّه علمُه على عظمة الله و قدره... و بالتالي الى خشيته، فإنني لا أعتبره عالماً من الأساس.
و قد قدرالله العلماء، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال:{ شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿18﴾ } [ آل عمران ] وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام .

اسأل الله لي و لكم الهداية و التوفيق

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية