التربية الإيمانية وضرورتها للطفل

هبة زووم - ليلى البصري

أبناءنا أكبادنا تمشي على الأرض، و هم أمانة في أعناقنا… و نحن مسؤولون عنهم امام الله و أمام المجتمع. لذلك علينا تربيتهم تربية تؤهلهم لمواجهةالحياة، كما تؤهلهم للعمل على لقاء الآخرة…

يقول الحق سبحانه:
{( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )} الروم


و يقول النبي - صلى الله عليه وسلم – "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" متفق عليه.

إذا كان الإيمان فطرة يتجه إليها الإنسان: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْيَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الأعراف : 172 فإن واجب التربية هو منح هذه الفطرة الفرصة الكافية للظهور و التحكم في مسار الإنسان الذي يولدطفلاً بريئاً لا يملك من أمره شيئا.


فالتربية الإيمانية تعد حجر الأساس لجميع صور التربية التي ينبغي أن يتلقاها الطفل المسلم، لذا ينبغي العناية بها ومنحها ما تستحق من اهتمام و وقتوجهد و مال.

و تتمحور التربية الإيمانية للطفل، حول معرفة الله بكل صفاته و اسمائه الحسنى، علينا تعريف الطفل بالله بكلمات بسيطة واضحة و انتهاز الفرص والمناسبات لتقريب مفهوم الإيمان بالله تعالى من قلبه.


فلابد أن يعرف الطفل أن الله هو الذي خلقه و خلق كل الأشياء و أنه سبحانه واحد أحد لم يلد و لم يولد، و انه هو الرزاق، و ان له كل الصفات الحسنى فهورحيم و حكيم و عليم...


أن نعمل على ان يحب الطفل خالقه و يتعلق قلبه به وحده يرجوه و يخافه في السر و العلن، فالإيمان الصح ليس عدداً من المعلومات نحفظها للطفل عن ظهرقلب، و إنما هو تلك العاطفة الجياشة و المشاعر الصادقة التي يمتلئ بها القلب تجاه ربه.


يلي ذلك تعريف الطفل تدريجياً بباقي الحقائق الإيمانية من الإيمان بالرسل و الملائكة و الكتب و اليوم الآخر، وفقاً للمرحلة العمرية لكل طفل.

متى تبدأ التربية الإيمانية

يقول النبي - صلى الله عليه و سلم -: "أما إن أحدكم إذا أتى أهله وقال اللهم جنبنا الشيطان و جنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولداً لم يضره الشيطان" رواه البخاري.


استناداً إن هذا الحديث الشريف، فالتربية الإيمانية للطفل تبدأ إذاً منذ لحظة الإخصاب و أكبر ضرر يلحقه الشيطان بالطفل أن يشغله عن الله تعالى و عنالتنعم بالقرب منه، فكان هذا الدعاء و الولد لا يزال في عالم الغيب، و عندما يصير جنيناً و ينفخ فيه الروح كما قالت زوجة عمران ( إم السيدة مريم العذراء )و هي تناجي ربها: { ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) )} (آل عمران:35).


محرراً من قيد الشيطان و الهوى و دنس الأرض و أثقالها، فالدعاء لمن بيده أمر القلوب خطوة أساسية على طريق التربية الإيمانية. الجدير بالذكر أن العلمالحديث أثبت أن الجنين يسمع ما يدور حوله من أصوات و ضوضاء و نحو ذلك، و بالتالي فهو يسمع المناجاة و يتأثر بها على نحو لا يعلمه إلا الله تعالى.


و عندما يولد الطفل فإن أول ما يسمع هو الأذان و ما يحويه من كلمات التوحيد في أذنه اليمنى، و الإقامة و ما فيها من حث على الصلاة في أذنه اليسرى.


وكانت الصحابيات - رضوان الله عليهن - يلقنَّ أبناءهن النطق بالشهادة عندما يبدأ الطفل في تعلم الكلام، وفي ذلك يقول العلامة الإمام ابن القيم : (فإذا كانوقت نطقهم فليلقنوا: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" و ليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه و توحيده، و أنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم وهو معهم أينما كانوا). "تحفة المودود بأحكام المولود ابن القيم ص:164".


و عندما يصل الطفل لسن الثالثة نستطيع البدء في تعريفه بخالقه عز وجل، لأنه في هذه السن يبدأ عنده حس التمييز بين الحسن والقبيح، كما يقول علماءالنفس إنه بدءاً من سن الثالثة يبدأ ضمير الإنسان في التشكل.


وقد لا يستطيع طفل الثالثة فهم ما نقوله تماماً و لكنه يستشعره فعندما نقول له: جزاك الله خيراً و بارك الله فيك و هذا البحر الجميل هو هبة من الله تعالى لنا، و هذه الشمس المشرقة كذلك من عطايا الله لنا… و هذا الطعام الجميل من نعم الله علينا و غير ذلك من العبارات والإشارات التي تربطه بالله عز وجل، فنحن نقوم بتهيئته إيمانياً للمراحل التي تلي ذلك.

ومن الأمور التي تعين الأسرة في هذا الجانب إدخال الطفل دار حضانة إسلامية، يعتنى فيها بحفظ القرآن الكريم، و يتم بث روح الآداب الإسلامية، و من المعروف أن الأسبق إلى نفس الطفل له البصمة الأكثر وضوحاً في حياته فلو ذهب لحضانة تحفظه أناشيد الأطفال باللغة الأجنبية و تمنح  الدرس الديني المساحة المنزوية فلا ننتظر طفلاً يشع إيماناً.   

كل ما سبق ذكره هو تمهيد لنفس الطفل لتلقي المفهوم الحقيقي للإيمان… فهذا التمهيد الذي يمتزج بالفطرة النقية هو خير داعم للجهد الذي سيبذل مع الطفل، و نستطيع القول إنه بدءاً من سن السابعة يصل الطفل لمرحلة من النمو العقلي تؤهله لفهم حقائق الإيمان، لذلك حث النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبدأ تعليم الطفل الصلاة عند سن السابعة، إذ يستطيع الطفل  بدءاً من هذه السن إدراك معنى أنه يقف بين يدي الله تعالى، و كلما ازداد عمر الطفل ازداد نموه العقلي و استشعر أكثر فأكثر حقيقة الإيمان،  فشعور طفل في السابعة بحقائق الإيمان ليس كشعور رجل  في الأربعين مثلاً، و لكن ما ينبغي فهمه أنه بدءاً من هذه السن فإن ثمة إدراكاً صحيحاً و وعياً كافيا لمفهوم الإيمان عند الطفل.

ومن القضايا الإيمانية الأساسية التي ينبغي تربية الطفل عليها بدءاً من هذه السن و حتى يصل لسن التكليف ـ مع مراعاة تنوع أسلوب الخطاب باختلاف المرحلة العمرية:

ـ الإيمان بالله تعالى و توحيده و معرفة أسمائه و صفاته و معانيها.
ـ حب الله تعالى و اللجوء إليه و الاستعانة به.
ـ خوف الله عز وجل و تجنب نواهيه و الحذر من الوقوع فيها.
ـ استشعار مراقبة الله عز وجل، و تربيتهم على ((ان هذا حلال و هذا حرام ، بدل ان هذا عيب و هذا لايصح))
ـ الإيمان بالأنبياء و المرسلين و خاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه و سلم.
ـ حب النبي صلى - الله عليه وسلم - أكثر مما يحب والديه.
ـ الإيمان بكتب الله المنزلة و بالقرآن الكريم الذي حفظه الله تعالى بحفظه.
ـ إشراك الطفل في دور تحفيظ القرآن الكريم، و ليت الوالدين يضعان نصب أعينهما أن يحفظ الطفل القرآن الكريم كاملاً بانتهاء مرحلة الطفولة و الاستعانة بكل الوسائل لتحقيق ذلك، حيث سيكون لذلك الأثر الكبير على إيمانيات الطفل بعد ذلك. زِد على ذلك انك ان علمت ابنك القرآن فان القرآن سيعلمه كل شيء: { مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ} الانعام
ـ الإيمان بالملائكة و أنهم عباد الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم.
ـ الإيمان باليوم الآخر و ما يستتبع ذلك من الحساب و الجنة و النار و حثه على العمل الطيب بناء على ذلك.
ـ تجنيبه البدع في مجال العقيدة.
-جعله يطلع على سيرة الرسول الكريم… و لو بشكل مختصر

و الأهم من كل هذا، على الوالدين ان يكونا قدوة لابنائهم، اذ لا يجدي نفعا ان نغرس في ابنائنا قيما نحن متخلفون عنها، فما يسمعه الطفل من الوالدين، عليه ان يراه في تصرفاتهما، ان أرادا فعلا صيانة الأمانة و تحمل المسؤولية امام الله، ثم المجتمع.

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية