كيف تعلم بغلا القراءة في عشرة أيام

هبة زووم
في قديم الزمان، كان الوالي يؤتى بكل شيء جديد يدخل المدينة، و ذات يوم جاء رجل ببغل يسوقه الى دار الحكومة في مدينة الكوفة ليقدمه هدية للوالي، و كان ذلك اليوم عيدًا اجتمع فيه أكابر الكوفة لهينئوا الوالي، فلما دخل الرجل مع البغل لفت انظار الحاضرين فأخذوا يضحكون منه و يسخرون من البغل، و كان كل منهم يتكلم بشيء لكي يضحك الحاضرين، حتى ضاق والي الكوفة - الذي كان يتظاهر بالسروور - لما يسمعه من بعض الحاضرين حيث كان يتكلم كناية و يقصد به الوالي، لكن الوالي كان لكل ذلك بالمرصاد ، حيث كان يترقب الفرصة المناسبة ليفرغ غضبه فيها.

قال أحد الحاضرين - و هو يسخر من البغل - مخاطبا الوالي:
إذا يسمح لي الوالي ان اعلم هذا البغل القراءة .

و عندما سمع الوالي ذلك أفرغ جم غضبه على المتكلم و صاح به : ثكلتك أمك، أتعلم ما تقول؟! لابد و لا مفر لك من ذلك.
هيمن على المجلس سكوت عجيب، فقد علم الحاضرون بان لا مجال للمزاح و الضحك بعد غضب الوالي فاستولى الرعب على المتكلم الذي ادعى انه يستطيع أن يعلم البغل القراءة.

القى الوالي الرعب في قلوب الحاضرين و هو فرح بذلك، و لما رأى أن صوته و غضبه قد أثرا على الحاضرين، قال لهذا الرجل: ان استطعت تعليم هذا البغل القراءة كان لك عندي أجرا حسنا، و ان لم تستطع ذلك سوف نامر بقتلك ..

ندم الرجل على كلامه كثيراً، فأراد امتصاص نقمة الوالي، و كسر طوق السكوت الذي استولى على المجلس فَقَال: اعطني يا حضرة الوالي وقتا لذلك.
مسح الوالي شاربه و قال :كم يكفيك من الوقت؟
قال الرجل - وهو لا يدر ي ما يقول - : 10 ايام.
اخذ الرجل البغل- بعد موافقة الوالي على ذلك - الى بيته
و هو لا يعلم ما ينتظره من مصير اسود.

ذهب الرجل المسكين الى بيته و عنان االبغل بيده، فلما دخل على زوجته – التي كانت تنتظره و هدايا الوالي معه – قصّ عليها خبر البغل فارتفع صياحها، و اخذت تضرب راس زوجها بكل شي قريب منها، ثم طردته من البيت!
خَرَج المسكين طريدا لا يدري ماذا يفعل، و اخذ يجول في ازقة الكوفة و معه البغل و هو يكرر في نفسه ويقول :
(( أنا السبب في كل ما نزل بي، فماذا سأفعل الآن يا ربي؟ ))
مر هذا الرجل ببهلول و كان جالسا على دكة المسجد فرآه بهلول و هو يمشي و يبكي و يكلم نفسه، سأله بهلول عن ذلك و قال: ما بك؟
اخذ الرجل يقص خبره مع الوالي و زوجته على بهلول و أشار بيده الى البغل الذي كان واقفًا قريبًا من المسجد.
قال له بهلول: لا تغتم لذلك، فإني أعلمك طريقة تتخلص بها من ورطتك.
كان الرجل المسكين مستعدًا لقبول أي اقتراح، مهما كان، فقال: و ماذا أفعل؟
قال بهلول: اسمع جيدًا ما سأقول لك، اترك البغل اليوم جائعا و لا تعطه طعامًا، و من الغد إبدأ معه إلى 10 أيام بأن تضع له حبات من الشعير بين صفحات كتاب ثم اعرض الكتاب عليه و تصفح أنت له ورق الكتاب فيلتقط البغل حبات الشعير بطرف لسانه لأنه جائع، فان كررت ذلك معه إلى عشرة أيام سوف يتعلم البغل الاكل من الكتاب و تصفح اوراقه، وفي اليوم العاشر إذا أردت أن تذهب الى الوالي اترك البغل جائعًا.

لم يجد الرجل طريقا الى خلاصه من هذه الورطة سوى الاخذ بكلام بهلول…!
 
فلما انصرف وودع بهلول ذهب متوجها الى بيته عساه يتمكن من اقناع زوجته بما اقترحه بهلول والبقاء في البيت 10 ايام. و لكن ما أن رأته حتى بدات بالصياح و العويل من جديد، فلما ذكر لها ما سمعه من بهلول، هدأت، ثم طلب منها ان تعطيه رخصة البقاء 10 ايام في البيت، فلما سمحت له بذلك اخذ البغل إلى موضع من البيت ثم بدأ معه بما اقترحه عليه بهلول، وهكذا استمر معه الى تسعة ايام يعلمه كيف يأخذ حبات الشعير من بين صفحات الكتاب .

و في صباح اليوم العاشر كان فرحًا جدًا، أخذ معه البغل و ذهب الى الوالي، فلما دخل عليه كان الوالي و جماعة من حاشيته في انتظار الرجل – صاحب البغل – ليروا ماذا سيكون من أمره؟
فسحوا له المجال فدخل ومعه البغل، و كان البغل قد أوقف أذناه من شدة الجوع، فوقف الرجل و معه البغل امام الحاضرين، وعرض عليه الكتاب الذي كان يعرضه عليه خلال التسعة ايام الماضية، بدأ البغل يتصفح الكتاب على عادته على أمل أن يجد شيئا من الشعير، لكنه لم يجد شيئا من الشعير و كان كلما تصفح من ورق الكتاب أكثر كلما اشتد جوعه أكثر حتى يئس من الشعير.

ظل البغل جائعا ، لكن كيف يمكنه ان يفهم صاحبه بانه جائع لم يكن ليده سبيل سوى النهيق، وكان الحاضرون يتصورون بأن البغل يقرأ – لكن بلغته – فأخذوا يصفقوون له وللرجل المسكين الذي علمه.
ولما هدأ الصياح و سكن المجلس، أمر الوالي بالبغل و إكرامه بشيء من الطعام، ثم التفت الوالي الى الرجل وقال: حسنا…  أخبرنا كيف استطعت تعليم هذا البغل القراءة؟
ضحك الرجل قليلا ثم قال: يقولون ان النجاة في الصدق  وأنا أريد ان أخبرك بالحقيقة كما هي لكني أريد منك الأمان .
قال الوالي : أنت آمن .
أخذ الرجل يقص عليه لقاءه ببهلول و انه نجا من الورطة بفضل ما علمه بهلول.
و هب الوالي بعد ذلك الى الرجل مكافئة مالية اسعدته، ثم التفت الى الحاضرين و قال لهم : ليت أن لكل واحد منا مثقال ذرة من عقل بهلول المجنون ..
و لنا بقية ان شاء الله مع قصص بهلول الممتعة.

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية