انت الآن تتصفح قسم : شيء من الواقع

ليلى البصري تكتب.. غروب شمس لم تشرق

ليلى البصري
تقتضي سنة التمحيص و قانون التدافع… أن يكون للباطل امتداد في عمق الزمان و عمق المكان، يتمثل في أناس مصرّين على العيش له، أو العيش عليه… إنها رِدّة، تتمحور حول حب الذات و الأنانية و استغلال الآخر حتى لو كان أقرب المقربين… رِدّةٌ يُؤلّهُ فيها الجاه و المال، و تُلغى فيها الأعراف و المحرمات و تُبيح للنفس العيش من الشهوات حتى لو كان على حساب الكرامة و التفريط في الدين و الأرض و العرض و الولد...

حفنة أخرى من رماد ذاكرتي تطايرت، فأبيت ألا أفلتها حتى أشارككم بعضاً منها..

...وضعت سماعة الهاتف و أقفلت الخط و الفرحة تزغرد في صدرها، سارت نحو فلذة كبدها ذات الخمسة عشر ربيعاً… ضمتها إلى صدرها للحظة ثم همست في أذنها: ألا ترغبين في امتلاك بيت و سيارة فخمة و مبلغ فلكي في البنك؟

ردت في ذهول: بلا… و لكن من أين؟ قالت: ستذهبين مع نورة في طائرة خاصة إلى أبوظبي، هناك سيتحقق لك كل ذلك..

ما أبشع المرأة حين تتجرد من ثوب الأمومة لتتحول إلى سمسار يتاجر في عِرضه و عِرض أبنائه..

ودّعت أمها على مضض، فلم يحدث أن ابتعدت عنها قبل الآن، واستقلت الطائرة الخاصة، مع نورة وثلة من الصبايا القُصّر المغرّر بهن، في اتجاه أرض الأحلام و الثراء السريع.

لم تكن تعلم أن ما ينتظرها هناك يختلف تماماً عما كانت تحلم به… أو بمعنى أصح ما كانت تحلم به أمها. و أن القدر يخبئ لها و لأمها ما لا تحمد عقباه.

مر وقت طويل قبل أن تحط الطائرة على ارض الأحلام، كان الوقت ليلا، و الجو شتاءً … سيقت نورة و بضاعتها الى خارج المطار حيث كان في انتظارهن من عُهد إليه بمهمة توصيلهن إلى صاحب الشأن الذي كان ينتظر وصولهن لمعاينة البضاعة و التأكد بنفسه من جودتها…

بعد ذلك أمر نورة بتجهيز الصبايا لمرافقته في رحلة بحرية على متن يخته الملكي، و قرر ان يكون الإنطلاق في الصباح الباكر.

استسلم الجميع للنوم عداها، ظلت مستيقظة طوال الليل، قلقةً و تفكر…

فالسيد ليس إلا مراهقاً في مثل سنها أو يكاد يكبرها قليلا، و يبدو جلياً أن عقله مغيب تماماً فلم يطمئن قلبها لذلك. رافقتهم في الصباح الباكر مكرهةً إلى اليخت، بدا الجميع سعيداً عداها…

توشّح وجهها بشحوبٍ غريب ممزوج بشرودِ ذهن يجعل الناظر إليها يشعر و كأنه أمام شبح. انطلق اليخت يلج عباب الماء وسط صخب و هرج من الموسيقى و الغناء و المجون… فتمايلت الأجساد و أُحل الفساد و حضر إبليس شخصياً ليبارك مثل هذه التجمعات المحببة إلى نفسه..

لم يكن السيد راضياً عنها أبداً… فهي لم تشاركهم في شيء، بل اكتفت بالإنزواء و النظر اليهم... اقترب منها… أمرها بالإنضمام إليهم فرفضت و هي لا تعلم أنها برفضها قد حكمت على نفسها بالإعدام؛ ففي ذلك إهانة لشخصه المريض و هدر لكرامته الملكية.

ثارت ثائرته و انسلخ مغيّبُ العقل و الإحساس عن جلد الآدمية الذي كان يخفي حيوانيته و أمر زبانيته فأحضروا له سلاحه الذي رفعه في وجهها الشاحب ثم أفرغ شحنته كاملة في جسدها البكر قبل أن يأمر برمي جثتها خارج اليخت لتتغذى عليها الأسماك وسط ذهول و صعقة نورة و نعاجها اللواتي أجبرن تحت تهديد السلاح على إكمال رحلة الأُنس و المتعة و كأن شيئاً لم يكن..

عادت نورة و نعاجها الصغيرة تنقص واحدة… عادت و بحوزتها ما أسكتت به الجميع عن مصير النعجة الناقصة..

فيا ترى كم من القطعان رحل؟ و كم من القطعان عاد؟ و كم من النعاج قد نقص؟ فهل من محاسب؟ أم أن لدينا فائض من النعاج فآثرنا تقديمه قرباناً لمن هم على شاكلة السيد؟ من يعرف الإجابة؟