انت الآن تتصفح قسم : أقلام حرة

المصطفى الدحماني يكتب.. الأمن الصحي بالمغرب: مداخل أساسية للنهوض بالمنظومة الصحية الوطنية

المصطفى الدحماني

يشكل الفصل 31 من دستور المملكة مفتاح المسؤولية السياسية المشتركة للدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية في تعبئة جميع الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية ومن الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة، كما ارتقى هذا الدستور بمبادئ وقواعد المنظومة الصحية لتشكل مواد من حيز القانون ومن اختصاص السلطة التشريعية (الفصل 71)، وهو تعبير دستوري صريح عن المكانة المركزية للمسألة الصحية في منظومة السياسات العمومية.

ولقد كرست جائحة كورونا أهمية الحق في الصحة ومركزية إصلاح السياسات الصحية وبنائها على مقاربة مرتكزة على حقوق الإنسان من جهة، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة والنجاعة القصوى والاستدامة والقدرة على التكيف من جهة ثانية.

كما شكل تمرين تدبير جائحة كورونا فرصة لاكتشاف نواقص كبيرة على مستوى السياسة الصحية الوطنية، ولكن كذلك فرصة لتأكيد محورية الفاعل العمومي في القطاع الصحي باعتباره الضامن الأساسي للحق في الصحة لعموم السكان ( مواطنات ومواطنين ومقيمين أو عابرين أجانب)، كما شكل تدبير هذه الجائحة فرصة لإماطة اللثام عما تزخر به بلادنا من كفاءات وموارد بشرية قادرة على مسايرة مستويات التطور العالمي في مجال الصحة.

ومن منافع هذه الجائحة كذلك، إحياء مفهوم الأمن الصحي كمفهوم مركزي في الأمن العام للأمة تبنى حوله السياسات العمومية، فالصحة لم تعد مجرد قطاع يسعى إلى تقديم خدمات عمومية للأفراد بل صارت قطاعا يسعى لتحقيق الأمن الجماعي للأمة ككل. وبهذا يكون للجائحة دور رئيسي في نقل السياسة الصحية من رتبة السياسات الاجتماعية الخالصة والمستنزفة للمالية العمومية، إلى صف السياسات الإستراتيجية الضامنة لاستمرارية الأمة والتي تقتضي تدخل مختلف القطاعات ( التعليم والبحث العلمي والصناعة والفلاحة والرياضة والشباب والثقافة والتشغيل وغيرها من القطاعات).

ومن هذا المنطلق، نعتقد أن المدخل الأساسي والمركزي لضمان الأمن الصحي يمر بالأساس من تحقيق العدالة الاجتماعية عبر تحسين الظروف التي يقضي فيها الإنسان حياته منذ ولادته إلى شيخوخته، من حيث ولوجه للموارد وتمتعه بكافة الحقوق من تعليم وشغل وأسرة وسكن... وهي كلها ضمانات لتمتعه بالحق في الصحة، فالصحة الجيدة تقتضي الولوج والتمتع الآمن بالولوج إلى الماء الصالح للشرب والسكن الجيد والمرافق الصحية والتغذية السليمة والتربية على السلوك الصحي واكتساب احترام التنوع والخصوصيات.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن تحقيق الأمن الصحي ببلادنا يستدعي التعجيل بتنزيل المشروع الملكي المتعلق بتوسيع دائرة المستفيدين من الحماية الاجتماعية، مع التشديد على ضرورة تنزيله في أقرب الآجال، حتى يشمل الفلاحين وحرفي ومهني الصناعة التقليدية والتجار، والمهنيين ومقدمي الخدمات المستقلين، الخاضعين لنظام المساهمة المهنية الموحدة ولنظام المقاول الذاتي أو لنظام المحاسبة، وكل الفئات الأخرى، في أفق التعميم الفعلي للحماية الاجتماعية لفائدة كل المغاربة، وذلك تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية التي تضمنها خطاب العرش المجيد، وكذا خطاب افتتاح السنة التشريعية 2020، بإطلاق ورش إصلاحي كبير يتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية لفئات واسعة من المواطنين. حيث يحضى هذا المشروع المجتمعي بمتابعة واهتمام خاصين من طرف جلالة الملك، باعتباره ثورة اجتماعية حقيقية، بالنظر لآثاره المباشرة والملموسة في تحسين ظروف عيش المواطنين، وصيانة كرامة جميع المغاربة، وتحصين الفئات الهشة، لاسيما في سياق ما أصبح يعرفه العالم من تقلبات اقتصادية ومخاطرة صحية.

ويشكل تنزيل هذا المشروع الهام نقطة بداية لتحقيق تطلعات صاحب الجلالة فيما يخص الاستجابة لتحدي تعميم الحماية الاجتماعية على كافة فئات المجتمع المغربي، كما يمثل رافعه لإدماج القطاع غير المهيكل في نسيج الاقتصاد الوطني، بما يوفر الحماية للطبقة العاملة ويصون حقوقها، حيث سيمكن تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض خلال سنتي 2021 و 2022، وتوسيع قاعدة المستفيدين منه ليشمل الفئات المعوزة المستفيدة من نظام المساعدة الطبية، وفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يمارسون نشاطا خاصا، من تمكين 22 مليون مستفيد إضافي من هذا التأمين الذي يغطي تكاليف العلاج والأدوية والاستشفاء.

ولا يفوتنا في إطار استعراض الإشكاليات التي يعرفها قطاع الصحة من إثارة موضوع هجرة الأطباء المغاربة خارج البلاد، حيث لوحظ أن أكثر من ثلثي طلبة الطب في المغرب يفكرون في الهجرة إلى الخارج لتوفير تكوين ذي جودة وظروف عمل أحسن ومن أجل حياة أفضل، ما يثير مخاوف كبرى حول مستقبل قطاع الصحة في المغرب، وفق المختصين. وأفادت الدراسة التي نشرت في "المجلة الأوروبية للصحة العامة"، أن 71.1 في المئة من طلبة السنة الختامية في الطب بالمغرب ينوون الهجرة إلى الخارج، لافتة أن من بين كل ثلاثة أطباء مغاربة ممارسين يوجد طبيب خارج البلاد. إذ أن أكثر من ثلثي طلبة الطب في السنة النهائية يرغبون في الهجرة. ما نعتبره هدرا كبيرا للطاقات البشرية الطبية ببلادنا، في الوقت الذي تعرف فيه المنظومة الصحية الوطنية خصاصا مهولا، وتحتاج لأكثر من 32 ألف طبيبا، بينما يوجد بالخارج ما بين 10 ألاف و 14 ألف طبيب مغربي، مع الأخذ بعين الاعتبار الكلفة المالية المرتفعة لتكوين الأطباء.

وفي هذا الصدد، نرى ضرورة رفع الميزانية المرصودة لقطاع الصحة، حيث تعتبر نسبة 5.7% ضئيلة جدا بالمقارنة مع باقي الدول. في وقت يتحمل فيه المواطن المغربي65%  من مجموع النفقات الصحية.

بالإضافة إلى الإشكاليات أعلاه لابد من الإشارة إلى غياب إستراتيجية صحية تضع خريطة واضحة للسياسات العمومية في مجال الصحة ( السياسية الدوائية، الأدوية الجينية، الخصاص المهول في عدد الأطباء، الخصاص في الأدوية الأساسية، وغيرها).

ووجب التأكيد في نفس السياق على أولوية تحقيق الأمن الدوائي ببلادنا، من أجل تعزيز الوقاية والسلامة الصحية بمفهومها الشامل، باعتبارها خط الدفاع الأول لحماية مجتمعنا، ومحاربة كل أشكال الغش التجاري، والحد من استفحال خطر ظاهرة بيع وتسويق الأدوية، والمنتجات الصحية المزيفة والمهربة ومجهولة المصدر.

وككل السياسات المتعلقة بالأمن، تقتضي سياسة الأمن الصحي، وجود 5 مداخل على الشكل التالي:

جيش وطني صحي من الموارد البشرية الوطنية والتي يتعين الاستثمار في وفرتها عبر مضاعفة أعداد الخريجين من مختلف درجات الأطر الصحية. فالبلاد في حاجة إلى المزيد من كليات الطب ولا يستقيم أن تبقى أية جهة بدون كلية طب واحدة على الأقل، كما يقتضي زيادة عدد خريجي المهن الطبية المساعدة كالتمريض وتقنيي الأجهزة ومتخصصي الإسعاف وأطر الإدارة الصحية... وبالإضافة إلى الاستمرار في تكوين المزيد من هذه الموارد البشرية، يفرض السياق التنافسي التحفيز الدائم لهذه الموارد والتكوين المستمر لها وتمكينها من مقومات العطاء.

المدخل الأساس الثاني يتعلق بالعتاد الصحي وبشكل دقيق بالصناعة الدوائية والتكنولوجية الصحية، فالأزمات الأخيرة التي عرفها العالم، تثبت أهمية التوفر على إنتاج وطني في المواد الإستراتيجية وعدم الركون لسهولة التزود من السوق الدولية في الفترات العادية، ففي الأزمات يصير التزود من السوق الدولية غاية لا تدرك. فلا أمن صحي دون تملك لقدرات الإنتاج داخل الوطن. ولا أمن صحي مع الارتهان للخارج في التزود بالأدوية والمستلزمات الصحية والتجهيزات الطبية. ولا أمن صحي بدون مخزونات إستراتيجية وطنية.

الاستثمار بشكل واسع في البحث العلمي المتمحور حول الصحة العامة، سواء في قطاعات الطب أو في باقي فروع العلوم، فالبحث العلمي من شأنه تقديم أجوبة تسهم في تجويد المنظومة وحل الإشكالات وخلق الريادة المغربية.

حكامة ترابية للمنظومة الصحية والانتقال من منظومة صحية وطنية إلى منظومات صحية متكاملة ومستقلة ومكتفية داخل كل جهة مع إعطاء دفعات من الدعم المركزي للجهات ذات الخصاص لتحقيق توازن مجالي وتعزيز جاذبية المجالات وتنافسيتها. حيث يتعين بناء المنظومة الصحية داخل كل جهة حول مستشفى جامعي وكلية طب عمومية وفق مقاربة مشتركة بين الدولة المركزية ومجالس الجهات. وعلى مستوى الحكامة كذلك يتعين إيجاد صيغ مبتكرة للتشبيك بين القطاع العام وقطاع الصحة العسكرية والقطاع الخاص الربحي والقطاع الخاص الوقفي والجمعوي. ويفترض كذلك الاشتغال برؤية على المدى المتوسط لفصل الخدمات الطبية عن إدارة المؤسسات الصحية فلا يعقل أن ينشغل الأطباء بمهام التسيير الإداري والمالي للمؤسسات الصحية، فتعزيز خريجي مسالك التكوين في مجال الإدارة الصحية (متصرفين إداريين) سيشكل مدخلا لتفرغ الأطباء لتقديم الخدمات الطبية ويعفيهم من القيام بمهام رئاسة المصالح والأقسام الإدارية وتدبير الشؤون المالية والتقنية لهذه المؤسسات الصحية.

إعمال المقاربة الالتقائية في السياسات العمومية واستحضار البعد الصحي في جميع السياسات العمومية، فالأمن الصحي وجودة الصحة العمومية هي محصلة تدخلات مختلف القطاعات، من الإنتاج الفلاحي إلى التعمير إلى التربية إلى الرياضة إلى الثقافة والإعلام وغيرها.

وبالإضافة إلى المداخل الخمسة التي تساهم في تجويد المنظومة الصحية. لا بد من الوقوف على مسرعات التحول في المنظومة الصحية الوطنية ويتعلق الأمر بما يلي:

 المسرع الأول: ويتعلق بالرقمنة بالنظر لما توفره الرقمنة من تسريع وشفافية العلاقات بين المرتفقين والمرفق.

المسرع الثاني: ويتعلق بالطب عن بعد باعتباره وسيلة من وسائل تقليص الخصاص والتعاضد في استعمال الموارد.

المسرع الثالث: ويتعلق بالأخلاقيات في المجال الطبي باعتبار مكانة الأخلاقيات في الحفاظ على القيمة المعنوية والمادية للطب.

المسرع الرابع: ويتعلق بمنظومات خدمات القرب والتشخيص المبكر مع ما يقتضيه من تنظيم عمليات واسعة وحملات استباقية لاستكشاف الوضعية الصحية للسكان.

المسرع الخامس: ويتعلق بمراجعة طبيعة العلاقات المالية داخل القطاع عبر توسيع المجال الثالث المؤدي إلى معالجة إشكاليات التمويل والتغطية الصحية، وتخفيف تكلفة العلاجات وإيجاد أنظمة المقاصة بين المنتوجات الصحية، فالخدمات الصحية الأساسية يتم تقليص كلفتها مقابل تعويض الهوامش بزيادة أسعار الخدمات الصحية غير الأساسية والاستثمار في السياحة العلاجية عن طريق تسويق المنظومة الصحية الوطنية كخدمات صحية جيدة  تستقطب الزبائن من الخارج مما يسهم في تمويل المنظومة، كما يتعين الحسم مع المسالة الضريبية في قطاع الصحة، فالدواء ليس استهلاكا اختياريا مما يتعين معه إعفاؤه من الضرائب على الاستهلاك، ويمكن التوسع في تعويضها عبر  نظام ضريبي قائم على تضريب المنتوجات المضرة بالصحة على غرار نموذج الضرائب على التلوث ( التلوث المؤذي مثل التدخين والمشروبات السكرية والمشروبات الكحولية....) ومن خلال هذا المدخل كذلك، يتعين مراجعة عميقة وإصلاحية لقانون التعاضد ولحكامة التعاضديات ومؤسسات الحماية الاجتماعية، مع ضرورة تبنى السياسات الصحية الإستباقية المبنية على الوقاية وعلى المقاربة الشمولية للمنظومة الصحية والانتباه إلى بعض مجالات العجز الكبير مثل صحة الإدمان والصحة النفسية وطب الشيخوخة.

الأستاذ المصطفى الدحماني

محام – مستشار برلماني