انت الآن تتصفح قسم : أقلام حرة

الفرنكفونية غنيمة حرب انتهت صلاحيتها

عبدالله العبادي

الفرنكفونية: لعنة على المستعمرات الفرنسية

خرجت فرنسا من مستعمراتها الإفريقية، التي من المفروض أنها حققت استقلالها، لكنها تركت وراءها جيشا أقوى من العساكر، تمثل في الثقافة واللغة والتبعية العمياء للدولة الفرنسية، حتى صار كل شيء يحاك بإفريقيا لفرنسا اليد الطويلة فيه.

لم يخطأ الفرنسي أونسيم روكلو الذي أطلق إسم الفرنكفونية على البلدان الناطقة بالفرنسية الهدف، فقد أطلق إسما تبعيا لما بعد الاستقلال حتى تظل أرجل فرنسا ممتدة إفريقيا. الفرنكفونية التي استعملت كطعم للسيطرة والقوة الناعمة التي تحكمت في مصير الشعوب الإفريقية وتحكمت في حاضر ومستقبل الدول التي انسلخ الكثير منها من هويته ولغته لصالح المستعمر القديم الجديد.

فقد تمكنت فرنسا من السيطرة على الوعي الجماعي – الثقافي للعديد من البلدان، ساعد في ذلك نخبة من الأفراد والجماعات الاقتصادية، الثقافية والسياسية التي ارتبطت مصالحها الضيقة بفرنسا، وظلت تابعة للمركز الباريسي بغض النظر عن المصالح الوطنية ومصالح الشعوب، فالثقافة الفرنكفونية ليست لغة فحسب، بل فكر تجدر لدى العديد من الأجيال الإفريقية التي انساقت وراء القالب الهوياتي الفرنسي.

الفرنسية: لغة تحتضر

ساد نقاش موسع مؤخرا الأوساط الثقافية الفرنسية، عن واقع اللغة الفرنسية في فرنسا نفسها وفي باقي البلدان الناطقة بها، أي المستعمرات الفرنسية القديمة. تحدث العديد من المهتمين عن الاندحار المطرد الذي تعرفه اللغة الفرنسية ذات الماضي العتيد، السؤال نفسه يجب أن يطرح في العديد من المناطق التي همشت لغتها الأم لصالح الفرنسية خصوصا بإفريقيا. تجدرت اللغة بشكل كبير لدى العديد من النخب حتى اكتسحت المجال الأدبي والثقافي وسارت لغة الكتابة لدى الكثير من المثقفين والأدباء.

فالأزمة التي تعيشها اليوم في عقر دارها من جهة وهيمنة الإنجليزية من جهة أخرى، يطرح أكثر من سؤال عن مصيرها في البلدان الفرنكفونية، أي واقع تعيشه اليوم؟ وأي مشاريع تستطيع رسمها لمستقبل الشعوب؟

فرغم الانتقادات الكثيرة الموجهة لها، إلا أن الكثير من المبدعين لا زالوا يرون فيها لغة الانفتاح على العالمية ولا زالت كتاباتهم بالفرنسية تحظى باحترام كبير كالطاهر بن جلون وعبداللطيف اللعبي الذان فازا بجائزة كونكور الشهيرة سنة 1987 و 2009 اتباعا. كما ترك عبدالكبير الخطيبي وفاطمة المرنيسي إرثا كبيرا إلى جانب كتاب مغاربيون آخرون. فقد كانت عند البعض متعة ومرحا في حين شكلت لدى البعض الآخر شقاء وتمزقا هوياتيا وانسلاخا عن الواقع.

لقد كانت لغة المستعمر، كان استعمالها طريقة للتعبير وإيصال الفكرة للآخر، إذ شكلت واقعا ممزقا بين الأنا والآخر، بين اللغة الأم واستعمال لغة الآخر للتعبير والحكي. فكان الصراع والإشكالية التي حولت الجدال إلى حقل خصب للنقاش لم يفضي إلى نتيجة محسومة وظل الصراع بين الرغبة والضرورة المحتومة.

لكن رغم قلة الإنتاج الأدبي اليوم، لأنه لم يعد كما كان أيام جيل الرواد، بغض النظر عن المقالات والأبحاث الجامعية، فاللغة الإنجليزية لم تستطع بعد فرض وجودها الأدبي بعيدا عن أسواق المال والأعمال.

موقف المثقفين المغاربين

عبر السوسيولوجي المغربي عبدالكبير الخطيبي عن موقفه من الفرنكفونية بقوله: " إني لا أذكر هذه الحادثة إلا لقول ما يلي، ثمة لبس يحافظ عليه الفرنسيون بخصوص مفهوم الفرنكفونية، فالتحدث باللغة الفرنسية والكتابة بها ليس معناه الوقوف سياسيا إلى جانب فرنسا، إنهما نظامان يلزم الفصل بينهما، فاللغة الفرنسية لا وطن لها".

عبارات اقتبست من رسالة بعث بها الخطيبي لوزير فرنسي حين تم منع مداخلته في مؤتمر للفرنكفونية سنة 1989 لنبرته الحادة في نقد الفرنكفونية ومكانته كمثقف يكتب ويتحدث الفرنسية، وقيمته الفكرية أيضا. فقد عبر الخطيبي عن ما يلوح في فكر العديد من الناس، ولخص وجهة نظر الدولة الفرنسية اتجاه مفهوم الفرنكفونية والإبعاد السياسية للمفهوم.

بنفس النبرة الحادة، يعود كاتب ياسين لينتقد الفرنكفونية، ويقول بأنها آلية سياسية استعمارية جديدة لا تعمل سوى على تأييد استلابنا، ويضيف، بيد أن استعمال اللغة الفرنسية لا يعني أننا عملاء لقوة أجنبية، وأنا اكتب باللغة الفرنسية لأقول للفرنسيين أنني لست فرنسيا. الطرح يؤيده أيضا عالم المستقبليات المهدي المنجرة الذي يرى أن الفرنكفونية لا تشكل أساسا للعلاقات الدولية لأنها حسب رأيه مبنية على التفاوت بين الشمال والجنوب، وهو ما يسميه سمير أمين التفاوت غير المتكافئ.

الفرنكفونية: حوار الحضارات أم صراع بينها

يذهب العديد من مناصريها إلى أنها قدمت إسهامات عديدة في مجال الفكر والفن والسياسة، ولا يجب التركيز فقط على الجانب السياسي الذي يتعلق بسياسة الدولة الفرنسية ومواقفها. ولا يعتبرونها استعمارا غير مباشر أو قوة ناعمة لتوسيع النفوذ الفرنسي بالخارج، ولا باعتبارها لغة نخبة سيطرت على المجالات الحيوية في الدول الحديثة الاستقلال، كونها نخبة تأطرت في مدارس فرنسية.

نفس النخبة لا ترى في الفرنكفونية سوى قنطرة حوار وتلاقي بين الشعوب الناطقة بالفرنسية، وجسرا للتعاون والتكامل بين الأقطار والشعوب، في حين يرى العديد من المهتمين أن الفرنكفونية، أداة فرنسا الجديدة لوجودها الدائم في مستعمراتها القديمة، وأنها امتداد للاستعمار، وأنها حققت لفرنسا من النتائج ما لم تحققها جيوشها المستعمرة. وهو ما يفسر حرص فرنسا على وجود هذه المؤسسة التي تأسست قبل خمسين سنة ومقرها باريس، ولها فروع في كل الدول الناطقة بالفرنسية، وقد حرصت دوما أن يرأسها شخصية إفريقية، لما تمثله إفريقيا بالنسبة لوجود ومستقبل فرنسا.

وفي خضم الصراع الحضاري اليوم والذي ينظر له المفكر الأمريكي صامويل هنتغنتون صاحب كتاب صراع الحضارات، لم يعد موضوع الفرنسية خيارا ثقافيا أو اقتصاديا، وإنما أضحى رهانا استراتيجيا يكتسي أهمية حيوية لدى فرنسا كما يرى المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس.

تطور اللغة العربية الحداثية

النقاش الدائر اليوم بفرنسا، سيؤثر بشكل كبير عن اللغة الفرنسية خارج قواعدها، وسيعيد طرح أكثر من تساؤل عن مستقبل الفرنكفونية في ظل الحراكات الثقافية التي تشهدها العديد من الشعوب الإفريقية. خصوصا مع تنامي الوعي الجماعي، وفهم حصيلة الأضرار التي ألحقتها فرنسا بمستعمراتها القديمة، والنزيف المستمر لاستغلال خيرات القارة.

اندحار اللغة الفرنسية والأزمة التي تعيشها داخل فرنسا، سيجعلها تفقد سلطتها خارج الديار، وخصوصا بشمال إفريقيا. مما يفسح المجال أمام تطوير اللغات المحلية، ومجالا أكبر لتطوير الثقافة وتشجيع الترجمة، مما يفسح أيضا أمام اللغة العربية على الانفتاح من جديد على ثقافات ولغات العالم بعيدا عن الانغلاق الذي يؤرقها منذ قرون وتتحرر من الفكر الماضوي الذي زجت فيه نفسها وتأخرت عن مسار الحضارات.

 أفول الفرنكفونية بإفريقيا مستقبلا

سيؤدي بلا شك عودة اللغات الأم، وسط مطالبات جماهيرية شديدة، وزحف الإنجليزية المثل الرواندي نموذجا، إلى أفول نجم الفرنسية للأبد، كما أن العديد من النماذج التنموية اليوم تسير على خطى التنين الصيني وطريقة تدبيره الاقتصادي، الشيء الذي يضر كثيرا بمصالح فرنسا ومستقبلها.

فقد قال فرانسوا ميتران قبل أن يتقلد منصب الرئاسة: دون إفريقيا فرنسا لن تملك أي تاريخ في القرن الواحد والعشرين، فقد كان يدرك جيدا قيمة الاستغلال البشع لخيرات القارة، في حين يقبع غالبية سكانها تحت خط الفقر.

ثم عاد سنة 2008 الرئيس الأسبق جاك شيراك ليذكرنا، بأن فرنسا بدون إفريقيا ستنزلق إلى مرتبة دول العالم الثالث، فقد كان يعي جيدا ماذا تستخرج فرنسا من مواد إفريقية سنويا، وأن اقتصادها يقوم على خيرات إفريقيا المستغلة بشتى الأشكال في حين يعاني الإفريقيون الجوع والعطش وويلات الحرب والصراعات العرقية والاقتتال الدائم.