انت الآن تتصفح قسم : قصص وعبر

التاجر والعبد الصالح

هبة زووم ـ ليلى البصري
يقول احد التجار "خرجت إلى سوق العبيد لأشتري لنفسي عبدا يخدمني، فوجدت سيدا يبيع عبدا وينادي عليه قائلا: من يشتري هذا العبد على عيبه؟"

فقلت له: ياسيدي وما العيب الذي فى هذا العبد؟ فقال: سل العبد يخبرك، فسألته فقال: عيوبي كثيرة ولا أدري بأيها شهروني.

فرجعت إلى صاحبه وقلت: يرحمك الله ألا تخبرني عن عيب ذلك الغلام؟قال: إنه معتوه العقل ينتابه الصرع من حين إلى حين. فقلت للعبد: أيأتيك هذا كل يوم أم يأتيك كل أسبوع؟ فاسترجع وبكى.

وقال: ياسيدي إذا استولى داء المحبة على القلب سرى فى الأعضاء، وإذا استولى على الجوارح نشر خمار المحبة على سائر البدن في طيش العقل بذكر الحبيب، فيحدث فى القلب استغراق وعلى البدن سكون فيراه الجاهل فيظنه عتها وجنونا.

قال التاجر: فعلمت أن الغلام من أولياء الله الصالحين. فقلت لسيده: كم ثمن هذا الغلام؟فقال: ثمنه مائة درهم، فقلت له: ولك مني عشرون فوق المائة، ثم جئت به إلى منزلي، فكان يصوم النهار ويقوم الليل، ولاينقطع لحظة واحدة عن عبادة الله وتلاوة كتاب الله.

وذات ليلة دخلت مخدعه فوجدته يصلي ويبكي حتى سجد فكان يناجي ربه فحفظت من مناجاته هذه الكلمات : "إلهي.. أغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح للسائلين. إلهي.. غارت النجوم، ونامت العيون، وأنت الحي القيوم الذى لاتأخذه سنة ولانوم، إلهي.. فرشت الفرش وخلا كل حبيب بحبيبه، وأنت حبيب المجتهدين، وأنيس المستوحشين، إلهي.. إن طردتني عن بابك فإلى باب من ألتجئ، وإن قطعتني عن جنابك فبجناب من أحتمي، إلهي.. إن عذبتني فإني مستحق للعذاب والنقم، وإن عفوت عني فأنت أهل الجود والكرم، ياسيدي لك أخلص العارفون، وبفضلك نجا الصالحون، وبرحمتك أنا بالمقصرون، ياجميل العفو أذقني برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، إن لم أكن أهلا لذلك فأنت أهل لذلك، وأنت أهلا لتقوى وأهلا لمغفرة".

فلما أصبحت قلت له: يا أخي كيف كان نومك الليلة؟ فقال: كيف ينام من يخاف النار والعرض على الواحدالقهار، ثم بكى، فقلت له: اذهب فأنت حر لوجه الله. فلم يفرح بذلك. وقال: ياسيدي كان لي أجران: أجر العبودية وأجر الخدمة، فحرمتني من أحدهما أعتق الله وجهك من حر جهنم. فدفعت إليه نفقة فأبى أن يأخذ منها شيئا، وقال: إن من تكفل برزقي حي لا يموت، ثم غاب عني.

فكنت كلما ذكرت كلامه أخذني البكاء، فسألت الله أن يحشرني فى زمرة عباده الصالحين المحبين لقربه، والساعين ليلهم ونهارهم إلى طلب فضله ورضاه.