أخبار الساعة

بعد مرور عشر سنوات.. هكذا أصبح انعدام المحاسبة والمساءلة والإفلات من العقاب سمة في ملفات الفساد التي عرفها المغرب

محمد جمال بن عياد ـ الرباط
شكلت الأحداث الأخيرة التي عرفتها وعاشتها معظم أنحاء ربوع المملكة رسائل تذكرة قوية بالكيفية التي يفضي بها غياب سيادة القانون إلى سوء التدبير والتسيير للمرفق العمومي، وغاب الالتزام بسيادة القانون، و تقاعست أجهزة حكومية من ضمان المساءلة عن جرائم الأموال".

إن دوافع الفساد وهدر المال العام في كثير من المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري والمؤسسات المنتخبة غالبا ما تتعلق بالإفلات المزمن من العقاب وانعدام المساءلة.

فقد سبقت تصريحات لـ"بنكيران" كرئيس حكومة بأنه يواجه "لوبيات" فساد أطلق عليها "التماسيح والعفاريت"، لكن  لم يمض من الوقت كثيرا ليردد لازمة "عف الله عما سلف".

وقد سبق لوزارة العدل أن أكدت على إحالة ملفات عدد من المؤسسات العمومية على القضاء للتحقيق في تهم تبديد المال العام، والتي رصد المجلس الأعلى للحسابات اختلالات كبرى في صرف المال العام.

وقد وجهت ما تسمى بالمعارضة وهيئات ومنظمات وطنية انتقادات للحكومة، متهمة إياها نقض ونكث بوعدها "الإصلاح ومحاربة الفساد".

العثماني، رئيس الحكومة الحالي، بدوره قال إن "حكومته منكبة على محاربة كل أشكال الريع والاحتكار والفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية"،

وجاء كتعليق عن كلام العثماني هذا، كيف يمكن التحدث عن محاربة الريع وسابقه ومن حزبه "بنكيران" يتقاضى ما يقارب  7مليون سنتيم لم يساهم ولو بدرهم واحد كادخار للتقاعد، أضف إلى ذلك تقاعد الوزراء الذين لم يقضوا أكثر من سنتين في مهامهم و أصبحوا يتقاضوا 4  ملايين سنتيم من المال العام، علما أن إعفاءهم جاء بعد ثبوت عدم كفاءتهم، فعوض أن يساءلوا ويحاسبوا، يكافئوا بتقاعد مريح.

لقد ألف المواطنون على خرجات المسؤولين على الشأن العام، الملفوفة بأسلوب مزخرف ومنمق بالألفاظ المحلاة، ولم يعودوا يبالون بمحتواياتها الفارغة وأنها لا تعدو عن كونها مسرحية متعددة الشخصيات والفصول والمشاهد.

لقد مرت عشر سنوات والمواطن تتردد عليه نفس الشعارات وقد أقيمت ضجة إعلامية إبان الإعلان عن قائمة المستفيدين من المأذونيات، ثم عن مقالع الرمال ثم عن البرنامج الاستعجالي، ....، ومحاربة الريع والفساد مآله "عفا الله عما سلف".

إن ظاهرة نهب وتبذير المال العام وما يحوم حول محيطها من جرائم استغلال النفوذ، والمحسوبية، والرشوة، وتهريب الرساميل المالية، وتبيض أموال الغش والحرام، عرفت الكثير، تلصص أموال الدولة وتبذير جزء آخر منها في إطار الحفلات والأسفار والمناسبات ... الخ، الإعفاءات الضريبية التي تخول لفئة معينة من الأشخاص وأيضا التملص الضريبي، الأجور والتعويضات المرتفعة التي يستفيد منها مدراء وولاة وعمال، تقديم قروض بدون ضمانات "مؤسسة القرض العقاري"، استغلال ممتلكات الدولة لأغراض خاصة كالسيارات، الصفقات العمومية والتي تفوت بمبالغ مبالغ فيها إلى حد التخمة، تقديم "رشاوى" وإلغاء رسوم جمركية، و...

إن الكثير من المواطنين محرومين من أدنى أساسيات العيش الكريم، والأوضاع المعيشية لعدد من المواطنين، في جميع المناطق، لا تزال تثير الجزع وأعدادهم تتزايد باستمرار.

ويفسر ذوو الاختصاص أن الإفلات من العقاب يعني عدم تقديم مرتكبي الجرائم بمختلف أنواعها وأشكالها وانتهاكات الحقوق، وهذا بحد ذاته يشكل نكرانا لحق الضحايا في العدالة والإنصاف.

وقد ذكر أن العقوبة في الشرائع السماوية جميعا، تهدف إلى الوصول إلى العدالة وحماية الفضيلة والأخلاق، والعدالة فيها ينبغي أن تتجه بحيث تكون العقوبة مساوية للجريمة وأثارها.

فقد كان النبي (ص) يعلن استحقاقه العقاب إن صدر منه ما يوجبه، وكان يدعو إلى الاقتصاص منه حيث روي عنه قوله: "أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء، فإنها ليست من شأني، ألا و إن أحبكم إلي من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني القول  فلقيت ربي وأنا طيب النفس".

كما ورد عنه الفصل في المسألة عندما قال:"إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

لقد رسبت الحكومتين المتواليتين، حيث تقاعسهما في تطبيق القانون وتعطيل تفعيل الآليات والإجراءات الموضوعة رهن إشارتهما للحيلولة دون ارتكاب أخطاء جسيمة في حق المال العام ومتابعة مقترفيها، وتسهيل إفلات الجناة من العقاب.

لقد رسب أعضاء البرلمان، حيث تقصيرهم في أداء المهام النيابية والسياسية المرتبطة بما هو دستوري وأخلاقي واجتماعي، بسبب عدم القيام بواجباتهم في المساءلة والمحاسبة للجهاز التنفيذي بخصوص تلصص وتبذير وهدر المال العام وعدم تفعيلهم للجن البحث والتقصي بشكل حقيقي، والمطالبة بتفعيل لجن تقصي الحقائق في الفضائح الرائج الكلام حولها وإحالة نتائجها على الجهات القضائية المعنية.

ومن أجل الوطن، فلا سبيل عن مصادرة ما راكمه الكثيرون من أموال وثروات متأتية من عائدات اقتصاد الريع والامتيازات التي استفادوا منها خارج القانون بغير حق وما سرق ونهب من مال عام، وإيداعها في خزينة الدولة وصرفها للتنمية المستدامة وسد العجز الذي تعانيه البلاد .

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية