محكمة الاستئناف بالرشيدية تنظم ندوة علمية حول الآليات القانونية لحماية المرأة وفق مدونة الأسرة

هبة زووم ـ طاسين ابراهيم
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف 8 مارس من كل سنة نظمت اللجنة العلمية بمحكمة الاستئناف بالرشيدية بشراكة مع اللجنة الثقافية للمحامين بالرشيدية وميدلت، ندوة علمية في موضوع "الآليات القانونية لحماية المرأة وفق مدونة الأسرة"، وذلك يوم الجمعة 15 مارس 2019 على الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال برحاب محكمة الاستئناف بالرشيدية.

وحضر هذه الندوة كل من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف والسيد الوكيل العام لذا محكمة الاستئناف والسيد رئيس المحكمة الابتدائية بالراشيدية والسيد وكيل جلالة الملك بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية والسيد رئيس المحكمة الابتدائية بميدلت والسيد رئيس المحكمة الابتدائية بتنغير والسادة القضاة والموظفين بكل من محكمة الابتدائية والاستئنافية بالرشيدية والسادة المحامون والسادة المفوضون القضائيون والسادة العدول والموثقين.

وقد افتتح برنامج هذه الندوة بكلمة لكل من السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف والسيد الوكيل العام لذات المحكمة.

1-    الكلمة التوطيئية للسيد نائب الوكيل العام للملك بالرشيدية الأستاذ خالد بنمومن



بعد التوطئة التي قدمها السيد نائب الوكيل العام خالد بنمومن كرئيس للجلسة الأولى والذي قال أن السياق العام للموضوع الذي اختير لهذه الندوة، والأهمية التي يكتسيها في الوقت الراهن خاصة بعد رصد العديد من الإشكاليات العملية التي تعترض تطبيق مقتضيات مدونة الأسرة، وأن الانتقال من مدونة الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة يعتبر بالتأكيد تحولا جوهريا في المجتمع المغربي الذي ينشد إقرار المساواة والعدل والإنصاف، واحترام الكرامة الإنسانية انطلاقا من الخطاب التاريخي لجلالة الملك محمد السادس نصره الله يوم 10 أكتوبر 2003 بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، حيث أكد جلالته "على عدم اعتبار المدونة، قانونا للمرأة وحدها، بل مدونة للأسرة (أبا، وأما، وأطفالا)، والحرص على أن تجمع بين رفع الحيف على النساء وحماية الأطفال، وصيانة كرامة الرجل".

وأضاف، فمدونة الأسرة جاءت بمبادئ كبري وفي طليعتها تقوية مركز المرأة في إطار تكريس مبداء المساواة، باعتبار النساء شقائق الرجال في الأحكام، سواء في ما يتعلق برعاية الزوجين لشؤون الأسرة أو لإبرام عقد الزواج، والاتفاق على تدبير الممتلكات وممارسة حق إنهاء العلاقة الزوجية، إضافة إلى الرقابة المخولة للقضاء على مساطر الطلاق بكافة أنواعها، وتكريس الحقوق الزوجية، إلى جانب منح النيابة العامة، دورا أساسيا في قضايا الأسرة، باعتبارها طرفا أصليا وفاعلا".

وأكد أنه بحلول فبراير تكون قد مرت 15 سنة على انطلاق العمل بمدونة الأسرة، وأن هذه المدة من التطبيق قد أفرزت العديد من الصعوبات، وأبانت على الكثير من النقائص، وهو ما يجعل التسائل مشروعا، حول ما إذا كان إعمال نصوص هده المدونة قد حقق الأهداف والمبادئ الكبرى لها وهذا التساؤول هو محور النقاش الدائر حاليا حول تعديل مدونة الأسرة مستشهدا في ذلك بالرسالة الملكية التي وجهها جلالته للمشاركين في المؤتمر الإسلامي الخامس للوزراء المكلفين بالطفولة المنعقد في فبراير 2018، على دعوته إلى مواكبة مدونة الأسرة بالتقييم والتقويم لمعالجة النقائص التي أبانت عنها التجربة، وأضاف السيد نائب الوكيل العام، انه استحضارا لما سبق فإنه سيتم في هذه الندوة مناقشة العديد من المواضيع المهمة من طرف ثلة من الأساتذة وفق البرنامج المسطر لذلك وسيتم إغنائه بتدخلات الحضور الكريم، وهو ما سيمكن في الأخير من صياغة توصيات لهذه الندوة للمساهمة في التخفيف من المشاكل والصعوبات التي تعترض تطبيق نصوص مدونة الأسرة في أفق حماية فعالة للمرأة وتكريس البناء الديمقراطي الحداثي ودولة القانون والمؤسسات القائمة على ترسيخ قيم العدل والمساواة وحقوق الإنسان.

الكلمة الافتتاحية للسيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرشيدية الأستاذ عبد الغني الشاغ

وقبل انطلاق الندوة قام السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بكلمة تقديمية لهذه الندوة بمعية السيد الوكيل العام لذات المحكمة السيد حيث استهل السيد الرئيس الأول كلمته بعد البسملة، انه بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يتقدم سيادته للمرأة العاملة في مجال العدالة بالدائرة الإستئنافية بالرشيدية وللسيدة القاضية الوحيدة (حسناء اليازيدي ) والمستشارة الوحيدة بهذه الدائرة، وللقاضيات العاملات بالمحكمة الابتدائية بميدلت، ولجميع السيدات المحاميات بنقابة مكناس، وأكد على أنه يستهل افتتاح هذه الندوة بالترحاب بالجميع، وشكره الجميع على مشاركته في أشغال هذه الندوة التي تنظمها اللجنة العلمية بمحكمة الاستئناف بالرشيدية، بشراكة مع اللجنة الثقافية للمحامين بالرشيدية وميدلت.

بعدها أكد السيد الرئيس انه لشرف عظيم أن تنظم هذه الندوة برحاب هذه المحكمة بمعية ثلثة من الأساتذة الباحثين ، والمهتمين بالمجال الأسري لمناقشة موضوع في غاية من الأهمية آلي وهو " الآليات القانونية لحماية المرآة وفق مدونة الأسرة، "واعتبار هذا الموضوع ثمرة جهد لكل من السادة أعضاء اللجنة العلمية بهذه المحكمة والسادة أعضاء اللجنة الثقافية للمحامين بنقابة مكناس والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على طموحهم الجاد في خلق روح جديدة في العمل الثقافي بهده الدائرة القضائية.

كما أضاف السيد الرئيس الأول أن اختيار هذا الموضوع لم يأتي اعتباطا، أو لمجرد صدفة ، إنما رغبة في جعل مناسبة 8 مارس ، مناسبة لبحث قضايا تخدم المرأة كجزء من هذا المجتمع وتخدم الوطن ككل في جو احتفالي بالأم، والابنة والزوجة والأخت، وان 8 مارس مناسبة مميزة تتيح للجميع أن يتوقف ككل عام لمراجعة حصيلة وإنجازات ما قدمته المرأة وما قدم لها من أجل تطوير وتقدم هذا الوطن العزيز على درب يجعل المرأة والرجل شقائق في الحقوق والواجبات.

وأضاف أن الهدف من هذا الموضوع هو تفحص الواقع الحالي والوقوف على أهم الإشكاليات التي تواجهها الجهات المعنية باجرأة  نصوص مدونة الأسرة ، خصوص ما تعلق منها بالكتاب الخاص بالزواج والكتاب المتعلق بانحلال ميثاق الزوجية والولادة ونتائجها وعلى الأهلية والنيابة الشرعية وذلك بعد مرور ما يقارب 15 سنة على تطبيق المدونة وتنزيلها ، هذا مع استشراف المستقبل الذي تمنى السيد الرئيس الأول أن يحمل الأمن والاستقرار للمرأة المغربية وللطفل المغربي وللأسرة المغربية   ككل ، وفي ختام كلمته نوه السيد الرئيس بالمجهودات التي قام بها الساهرون على تنظيم هذه الندوة التي تمنى السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف أن تخرج بتوصيات وخلاصات تعود لما فيه الخير لهذا الوطن الحبيب في ضل القيادة الرشيدية لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

الكلمة الافتتاحية للسيد الوكيل العام لذا محكمة الاستئناف بالرشيدية الأستاذ محمد الأغضف

من جانبه أكد السيد الوكيل العام. في كلمته التقديمية بعد التحية على أن هذه الندوة جاءت لتدارس العديد من قضايا هذه المدونة لتجاوز العديد من الثغرات والممارسات والعادات والتقاليد السلبية التي أصبحت تنخر جسم المجتمع وجسم الأسرة، وصار لزاما مراجعة الذات لتصحيح هذه الاختلالات لأن القاعدة القانونية جاءت لخدمة الجماعة والمجتمع والأسرة باعتبارها نواة للمجتمع والمرأة باعتبارها محور هذه الأسرة وبالتالي فإنها هي العمود الفقري للمجتمع وهذا يدفع إلى إعطاء العناية اللازمة للمرأة وإعطائها الاعتناء اللازم وتقدير روحها سواء كانت الأسرية أو العملية مستدلا بقول الشاعر" الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعبيا طيب الأعراق" وكذا بقول الشاعر معروف الرصافي "وهل يرجي للأطفال كمال إذا أرتضعوا  ثديانا ناقصات ".

وهذا يدعو في خضم كلمة السيد الوكيل العام إلى وقفت تأمل ، من خلال مراجعة القضايا المعروضة على قضاء الأسرة، وملاحظة أسباب المشاكل في بيت الزوجية في المجتمع المغربي، وقال نجد أن غالبيتهم في شقاق وفي خداع وفي خيانة وفي شك وفي صراع أمام الأبناء، العديد من الممارسات التي أصبحت غريبة عن المجتمع المغربي وأكد انه بظن يميل إلى اليقين أن مدونة الأسرة وحدها وأن القاعدة القانونية لن تكونا كافية لمعالجتها، وبالتالي ناد السيد الوكيل العام من أعلى منبر كلمته وفي هذه الندوة بتصحيح العديد من الاختلالات داخل الأسرة المغربية بوجوب استرجاع الشريعة السمحة والتوبة والتراحم والتآخي في الأسرة الواحدة ، ووجوب عدم التشاحن أمام الأبناء ونقاش المشاكل أمامهم في البيت المغربي بالعودة إلى جادة الصواب بالرفع من شأن المرأة ومن شأن الأسرة والرجل في ذات الحين.

أما في الميدان العملي فقد دعى السيد الوكيل العام السادة المسؤولين بجميع أطيافهم  سواءا في القطاع العام أو الخاص أن يعطوا للمرآة خصوصيتها في العمل لأنها أم وزوجة ولديها ظروف خاصة وبالتالي تلزم معاملتها معاملة خاصة تليق بالأخذ بظروفها الاجتماعية بعين الاعتبار وأكد أن الدراسات أثبتت أن المرأة أكثر عطاء في العمل من الرجل، مؤكدا على أنها حقيقة وليست مجاملة.

وفي خضم ذلك ناشد المسؤولين القضائيين الحاضرين والمسؤولين بأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار أما على مستوى السيد رئيس النيابة العامة المحترم والنصوص التشريعية والقانونية ، فقد أكد السيد الوكيل العام أنه يوصي يوميا بإيلاء أهمية قصري لقضايا المرأة والطفل واهتماما خاصا والتعجيل بالتحريات والأبحاث في المساطر  ومطالبة النيابة العامة بالزجر اللازم حتى لا تظل المرأة ضحية للعديد من الممارسات الغير المقبولة ومؤكدا أن الوقت لا يسعف للإطالة بل  الاستئناس ببعض الشطحات الفكرية لعلها تلم بجوانب اجتماعية على جانب الموضوع ، مؤكدا أن النصوص القانونية لا تعالج مشاكل الأسرة بل الأخلاق والقيم والتواب والتسامح داعيا في الأخير أن يجعل الجميع عند حسن ظن جلالة الملك نصره الله .  

الجلسة الأولى: المداخلة الأولى في تعدد المرجعيات وأثره في صياغة مدونة الأسرة

الدكتورة: فاطمة الزهراء علاوي أستاذة بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية

وقد استهلت الجلسة الأولى التي سيرها السيد خالد بنمومي نائب الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالمداخلة الأولى من أصل أربع مداخلات تحت عنوان (تعدد المرجعيات وأثره في صياغة مدونة الأسرة) للدكتورة (فاطمة الزهراء علاوي أستاذة بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية فقد أكدت في مداخلتها أن المدونة مقننة بأحكام أبدية أو مؤقتة وهي منظمة بنصوص واضحة الأحكام ومدعمة من الدين بالضرورة، وبذلك يمكن اعتبارها من القواعد العامة الملزمة وإن لم يتم التنصيص عليها بنص قانوني، ومن النظام العام بالإضافة إلى أن النيابة العامة طرفا في جميع قضايا الأسرة بمقتضى المادة 3 من مدونة الأسرة، وإنها تضمن حسن تطبيق الأحكام التي تتعلق بالنظام العام وان المادة 400 أحالة إلى المذهب الملكي والاجتهاد بخصوص ما لم يرد في هذه المدونة.

وقد أكد أنه في ما يتعلق بأصول ومقاصد الشريعة فقد حاول صائغو مدونة الأسرة بناء نظام تشريعي قائم على القيم الشرعية، وأعطت مثال على (المعاشرة بالمعروف) كمرتكز أساس للعلاقة الأسرية في الشريعة الإسلامية حيث أن القرآن الكريم أمر بذلك 24 مرة، وكل تجاوز له يعد ظلما وعدونا، وتجاوزا لحدود الله تعالى، لذلك اعتبرته المدونة في المادة 51 أساس العلاقة الزوجية، وأساس معاملة كلا الزوجين لبعضهما، وهو مبدأ ضروري لتطبيق المدونة كهدف لصياغة حديثة تتغير بتغير الأحوال، فصياغة الثابت من مدونة الأسرة حقق جل وأهم التقنيات الحديثة ويرجع ذلك أساسا إلى مثانة المرجعية ووضوح الأدلة والنصوص الشرعية المستمدة منها والمستندة إليها إضافة إلى مركز المؤسسة الملكية وإمارة المؤمنين والتي لا يمكنها أن تحلل حراما أ تحرم حلالا.

أما المتغير من المدونة فيجد سنده في خاصية المرونة في الشريعة الإسلامية وما تقتضيه من تغيير الأحكام يتغير الأحوال والظروف، ذلك أن أحوال المجتمع تتغير وأهمية التشريع وجدواه يكتسبها من خلال استيعاب تلك التغيرات بتغير الأحكام لأن الصائغ يجب أن يتحلي بروح العصر والتطور وما يلاءم التشريعات الوضعية الوطنية منها والدولية في أفق عولمة القاعدة القانونية دون الإخلال بالثوابت على أساس أن المغرب دولة أسلامية فقد جعل من الفقه الإسلامي الأساس والمرجع في التشريع الأسري ويراعى المذهب المالكي، ومن بين الأحكام المتغيرة في المدونة والتي أخذت به، استدلت المحاضرة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن العدول عن الخطبة ولم يرد في رأي العلماء التصريح لا بالنفي ولا بالإثبات لعدم وجود مبررات ذلك ، إلا انه يفهم من باب الالتزام بالفقه المالكي، في القول المشهور وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) والتي تقتضي التعويض العدل لما يحدثه ألمرء من أضرار في حق غيره. بالإضافة إلى نماذج أخرى من الأحكام والتي أخذت فيها المدونة برأي المالكية كاسترداد الهدايا ، وكمية اللبن الموجب لتحريم الزواج وغيرها من الأحكام.

وأكدت الدكتورة فاطمة الزهراء علاوي أن اعتماد مذهب معين أساسا للتشريع لا يعني لزوم التشبث به مطلقا لذلك انفتحت المدونة على أراء المذاهب الأخرى كلما ظهر أنها أكثر تحقيق للمصلحة الأسرية وكمثال على ذلك (الولاية في الزواج) إذ انعكس اختلاف الفقهاء في أحكامها على القوانين الأسرية للدول الإسلامية وعلى التطور الذي عرفته في صياغة أحكام قانون الأسرة المغربي، خاصة حكم عقد زواج الراشدة بنفسها فصيغة المادة 24 من المدونة كالآتي "للراشدة أن تعقد زواجها بنفسها أو تفوض ذلك لأبيها أو أحد أقاربها) وهي صيغة واضحة في تجاوز المذاهب المشهورة والتي تعتمد الولاية كشرط صحة في عقد الزواج.

ورغم أن الفقه المالكي فقد موقعه نسبيا في مجال تنظيم الأسرة من خلال الانفتاح على المذاهب الأخرى فإن ذلك لا يمكن إدراجه ضمن التحدي الكبير الذي يواجه عملية صياغة القوانين وإحداث الملائمة في مقتضيات الثبات والتغير الاجتماعي المستمر ومن ثم فلا ينبغي اعتبار ذلك إلا مزية في الصياغة كعملية إبداعية تتداخل فيها عدة مؤشرات للتوفيق بين الحفاظ على الثوابت والاستجابة لروح العصر بحسن استثمار المرجعيات والجهود المبذولة في صياغة الرأي الفقهي الأنسب، والاستجابة لمتطلبات الصياغة الحديثة في مدونة الأسرة هي نفسها الجهود المبذولة لصياغة أحكام منسجمة مع باقي التشريعات إذ من مقتضيات ملائمة مدونة الأسرة في التشريعات الوطنية حرص الصائغ على انسجام وتناسق نصوص مدونة الأسرة مع بعضها البعض وكذا مع بعض القوانين الأخرى كقانون الالتزامات والعقود.

إضافة على أن تنفيذ الأحكام الأجنبية بالمغرب يخضع لمقتضيات قانون المسطرة المدنية تفاديا للازدواج في التنظيم الذي قد يؤدي إلى اللبس أو التناقض وعدم الانسجام، ورغم أن ذلك الانسجام لا يتحقق أحيانا نظرا، لخصوصية القضايا المتعلقة بالأسرة من جهة ولكون دعوى الأسرة لم يتم التطرق إليها بعناية والتي تولى عادة لقواعد قانون الأسرة المتعلقة بالموضوع من جهة أخرى، ويبقي الحال الذي يسهل على الصائغ لتحقيق الملائمة والنتيجة هو الإحالات المختلفة رغم أنها في نفس الوقت تشكل عيبا من  عيوب الصياغة، لأنها ترهق القاضي والمتقاضي بإجبارهما إلى الرجوع إلى مختلف المصادر بما في ذلك الإحالة إلى المادة 400 التي أحالت إلى المذهب الملكي والاجتهاد بخصوص ما لم يرد به نص وهو أمر مضن لمستعمل قانون الأسرة ذلك أن الصيغة المعتمدة في الإحالة على المذهب خالية من الترجيح بين مختلف الأقوال وهو ما يفيد تحري القاضي في النازلة من خلال المذهب كله ويزداد الأمر متسائلة تعقيدا بالإحالة إلى الاجتهاد حسب نفس المادة.

فما نوع الاجتهاد؟ هل المطلق ؟ أم الاجتهاد المنتسب إلى المذهب؟ ثم هل هو إجهاد انتقائي داخل المذهب أو اجتهاد إنشائي ينشئ رأيا اجتهاديا جديدا؟ وهو ما يطرح صعوبات عملية لذلك يستحسن التقليل من الحالات ما أمكن أما في ما يتعلق بالإجراءات الأسرية فيستحسن إفرادها بمدونة مستقلة لتمييز ما هو موضوعي عن ما هو إجرائي أو على الأقل دمجها في مدونة واحدة موحدة ومنسجمة أما بخصوص الموائمة، مع الاتفاقيات الدولية، فالمغرب يعد من الدول التي أعطت مكانة متميزة لها من خلال التشريعات وعلى رأسها دستور 2011. لذلك نجد في صياغة المدونة أثر للتجديد كورش هيكلي انخرط فيه المغرب ومثال على ذلك ما يتعلق بتطبيق أحكام المدونة إذ تنص الفقرة الأولى منها على أنها تسري (على جميع المغاربة ولو كانوا حاملين لجنسيات أخرى) رغم خطر عدم الاعتراف بالأحكام القضائية في بلدان أخرى وذلك انسجاما مع ما جاء في اتفاقية( لاهاي) المتعلقة  بتعدد الجنسيات كما أن إخضاع اللاجئين للمدونة ينسجم مع ما جاء في اتفاقية (جونيف) والتي صادق عليها المغرب أما من حيث تنزيل مبدأ المساواة في الحقوق ونبدي التمييز على أساس الجنس أو النوع فقد تم إعادة صياغة مجموعة من النصوص وكمثال المادة 19 من المدونة والتي تنص على أنه تكتمل أهلية الزواج بإتمام سن18 عشر. وعموما فأهم إشكالات الصياغة دوام التغيير والتعديل والتوجيه نحو التقارب القانوني وعولمة القاعدة القانونية وبتوحيد  الثقافات وبذلك ينبغي الحرص على عدم  تجواز حدود الشريعة الإسلامية تماشيا مع المعايير الكونية وبالمقابل الانفتاح على العمل القضائي وكذا الاجتهاد للإسهام في  عولمة القاعدة القانونية الإسلامية.

المداخلة الثانية حول تدييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية في المادة الأسرية

الأستاذ محمد العسري مستشار بمحكمة الاستئناف بالرشيدية

أما المداخلة الثانية في الموضوع فقد ألقاها الأستاذ محمد العسري وهو مستشار بمحكمة الاستئناف بالرشيدية تحت عنوان " تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية في المادة الأسرية" حيث استهل مداخلته أنه إذا كانت الأحكام القضائية تصدر كقاعدة عامة لتطبيق في نطاق سيادة  كل دولة فإن واقع المجتمعات الإنسانية المعاصرة، وما تعرفه من حركة إنتقائية لا على مستوى رؤوس الأموال والبشر فرض ضرورة إيجاد صيغ لضمان نفاذ الأحكام في دولة غير تلك الصادرة منها هاته الأحكام.

ومن المعلوم أن المغرب لم يكن بمنئ عن هذا السياق، حيث عرف مسطرة التذييل بالسيادة التنفيذية منذ الفترة الاستعمارية  من خلال مقتضيات المادة 290 من قانون المسطرة المدنية لسنة 1913، وكذلك الفصل 19 من ظهير 1913 وبالتحديد بوضعية الأجانب بالمغرب حيث أن المقارنة المزوجة من حيث اعتماد منطق المراقبة والنفاذ بالصيغة التنفيذية بشأن الدول التي تنازلت عن امتيازاتها القضائية وهذا بطبيعة الحال مشروط بالمعاملة بالمثل، وبناءا على نظام المراجعة بشأن الدول التي لم تتنازل عن امتيازاتها القضائية أو تلك التي لم تكن لها امتيازات أصلا، حيث كان القاضي المغربي حين إذن يملك صلاحية النظر في الحكم الأجنبي من الزاوية الواقعية والقانونية وكأننا أمام دعوة جديدة...

لكن هذا السياق تغيير مع قانون المسطرة المدنية المؤرخ في 28 شتنبر 1974 والذي جاء في إطار سياق هام، ساهم في بلورة التوجهات الأساسية للتنظيم القضائي ببلادنا، حيث كانت له حسنة التوحيد، على مستوى التدييل بالصفة التنفيذية بالارتكان إلى مقتضيات الفصول 430 وما بعدها قانون المسطرة المدنية غير أن الوعي بالإشكالات الحقيقة التي تعاني منها الجالية المغربية وبالنظر إلى ارتفاع عددها حيث بلغ حاليا 4.6 مليون مغربي بديار المهجر، وكذلك الإقرار بصعوبة إعمال ضابط العقيدة والقانون الوطني في هذا الإطار، بالإضافة إلى وجود إشكالات حقيقية لا على المستوى الإنساني ولا على المستوى السيكولوجي بالنسبة لجاليتنا.. كان لزاما أن يتم التغيير وخاصة أن مدونة الأسرة أتت في سياق هام .. ومتمثل أساسا في سياق الملائمة مع التشريعات الدولية المقارنة وخاصة الأوروبية منها، وتحديدا الاتفاقيات الدولية والتي تجد تجلياتها سواء من خلال إقرار مبدأ سلطان الإرادة عن إعمال الطلاق الاتفاقية أو مبدأ  الصرامة القضائية بموجب الفصل 78 من مدونة الأسرة أو اتساع إنهاء نطاق العلاقة الزوجية بإرادة طلاق الشقاق وكذلك ضمان نوع من التوازن تكريسا لمبدأ المساواة بين الجنسين على مستوى إنهاء العلاقة الزوجية وهكذا جاءت المادتين 14 و15 من مدونة الأسرة لتمكن المغاربة المقيمين بالخارج من إبرام عقود زواجهم وفق الإجراءات الإدارية لبلد الإقامة ذلك دون إغفال أن المادة 128 من المدونة ألتي بمقتضى هام جدا وهو المتعلق تذييل الأحكام الأجنبية بإنهاء العلاقة الزوجية أو المتعلقة بالطلاق أو التطليق أو الخلع إذا  تأسست على أسباب كما هي مدونة بالمضمن.

في  ضوء هذا التقديم نستطيع القول بأن أهمية الموضوع "دعوة تذييل الأحكام الأجنبية بالصيغة التنفيذية في المادة الأسرية" لا يحتاج إلى التذييل والبرهنة على أهميته سواء من حيث أبعاده القانونية والقضائية والمجتمعية ومن تم تبقى إشكالية محورية لهذا الموضوع مؤداها هذا إنجاح الإطار القانوني المنظم لدعوة التذييل بالصيغة التنفيذية  للأحكام الأجنبية في المادة الأسرية وتطبيقاته القضائية لتجاوز الكثير من الإشكالات القانونية  والاجتماعية والتي تقض مضجع جاليتنا بالخارج و سنتناول للإجابة على هذه الإشكالية وفق منهج يسلط الضوء على إبراز إيجابية المستجد التشريعي وكذلك مرونة التنزيل القضائي، دون إغفال بعض مكامن الارتباك واقتراح الحلول التشريعية الكفيلة بإزاحة كل هاته الإشكالات.

إذا فمن منطلق إجرائي صرف، فكما تعملون أن الدعوى باعتبارها هي الصورة الفنية  للإدعاء في المجال الإجرائي، يستلزم لقبولها شكلا توفر مجموعة من الشروط وإبلاغ الخصم بها وإصدار حكم في شأن موضوعها...ودعوة التذييل وإن كانت تخضع للشرعية العامة من قانون المسطرة المدنية، ولكن بالنظر لخصوصية هذه الدعوة، وبالنظر كذلك للإشكالات العملية المطروحة على أرض الواقع، نتناول هذه الدعوة من خلال نقط أساسية:
•    النقطة الأولى: إشكالية المرأة والجهة المختصة
•    النقطة الثانية: المتعلقة بالشروط الشكلية والموضوعية لدعوى التذييل.

فعلى مستوى شكلية المقال فأول ما يثيرنا هو الأطراف. فهم أنفسهم أطراف الدعوة الأصلية.. وباستحضارنا لمقتضيات المادتين 32 و 36 من قانون المسطرة المدنية والذي يوجب إيراد كل البيانات المتعلقة بهوية الأطراف، وكذلك الفصل 43 من قانون المسطرة المدنية، والذي يسند الاختصاص لمحكمة موطن إقامة المدعى عليه أي مكان التنفيذ يثير تساؤلات جوهرية متعلقة بمدى قانونية  الاكتفاء في توجيه دعوى التذييل ضد النيابة العامة دون الطرف الآخر، خرقا لهاته المقتضيات العامة...

الواقع أن العمل القضائي يشهد تباينا من حيث أن قضاء محكمة الموضوع فهو متشبث ومنتصمر لقانونية هاته  المقتضيات ويقول أن تذييل حكم الأجنبي للطلاق بين الطرفين  بالصيغة التنفيذية دون استدعاء الزوج المدعى عليه المعني مباشرة بالأمر، يعد خرقا للفصول 32 و36 من قانون المسطرة المدنية...وهناك مجموعة من القرارات الصادرة عن محكمة النقض في هذا الاتجاه لكن يبدو أن اتجاه غالبية محاكم الموضوع وخاصة محاكم مكناس، فاس، سلا تتعامل بكثير من المرونة وتقبل الدعوة حتى لو رفعت ضد من له النظر أو ضد من له الحق وكذلك الواقع العملي يشهد بأن التمثيل للمدعى عليه في دعوة التذييل بالصيغة التنفيذية هو تمثيل صوري.

بحيث غالبا ما يتخذ طرفي الدعوة الأصلية صفة المدعي في دعوة التذييل وأن السادة المحامون يقومون  بالنيابة  عن الطرفين معا ما دام أن القانون لا يشترط في وكالة المحامي أن تكون كتابة إلا أن هناك مكتسبات هامة ساهمت في تليين مفهوم النظام العام المغربي وساهمت في تحقيق نوع من المقاربة والموائمة مع التشريعات والاتفاقيات الدولية ونعتقد  أن هناك تحول على مستوى مفهوم النظام العام إعماله في قضايا التذييل ولكن كذلك نعتقد أن هناك صرامته إجرائية لابد من تجاوزها، في اعتقادي عن طريق إسناد الاختصاص لرئيس المحكمة ليس بصفته قاضيا للمستعجلات ولكن بصفته الوقتية ولكن بصفته قاضيا للمستعجلات الموضوعية ما دامت تتيح له إمكانية مناقشة مراقبة الحكم الأجنبي من حيث عدم مساسه بالنظام العام واعتقد أن هكذا مسلك كفيل بحل كل الإشكالات المتعلقة بهذه الدعوى لا على مستوى تحديد الاختصاص المحلي لمحكمة موطن المدعي، وكذلك تجاوز الإشكاليات المتعلقة بالطعن والاستئناف وكذلك تجاوز الإشكاليات لا متناهية على مستوى الدوريات والمناشر كذلك الصادرة  بتاريخ 28 أكتوبر 2016 و30 غشت 2016، و18أكتوبر 2018 لماذا؟. لأنها تخالف صراحة مقتضيات الفصول 430 وما بعده من قانون المسطرة المدنية والمادة 128 من مدونة والأسرة وشكرا.

المداخلة الثالثة حول تدبير الأموال المشتركة بين الزوجين على ضوء العمل القضائي

الأستاذة حسناء اليازيدي مستشارة وحيدة بمحكمة الاستئناف بالرشيدية

أما بخصوص المداخلة الثالثة والتي كانت تحت عنوان "تدبير الأموال المشتركة بين الزوجين على ضوء العمل القضائي"  والتي ألقتها الأستاذة حسناء اليازيدي كمستشارة وحيدة بمحكمة الاستئناف بالرشيدية والتي جاء فيها.

بسم الله الرحمان الرحيم (ص)، مما لا شك فيه أن مقتضيات مدونة الأسرة، تشكل الدعامة الأساسية للأسرة المغربية المتوازنة ولما كانت الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع فإنه كان من الضروري النهوض بأوضاعها لتواكب التطورات الكبرى التي عرفتها السنوات الأخيرة لتمكينها من أداء الدور المنوط بها والمتمثل قي الحفاظ على مقوماته  والإسهام في تطوره وقد تجسد الاهتمام بمكانة الأسرة المغربية، من خلال الرسالة التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده لأعضاء اللجنة الاستشارية الخاصة بمدونة الأحوال الشخصية والتي جاء فيها "واعتبارا لكون الشريعة الإسلامية قائمة على الوسطية والاعتدال وتحري مقاصد الإصلاح الاجتماعي فإننا حريصون على ضمان حقوق النساء والرجال على حد سواء غايتنا في ذلك تماسك  الأسرة، وتضامن أفرادها وتثمين التقاليد المغربية الأصيلة القائمة على روح المودة والوئام والتكافل الاجتماعي الذي نحن مؤتمنون على استمراره ولاسيما في نواته الأساسية المتمثلة في الأسرة انتهى"ومن هذا المنطلق وتكريسا للإرادة المولوية الشريفة، وبما أن التعايش في إطار مؤسسة الزواج يحدث أثار مالية فقد جعل المشرع من المادة49 من مدونة الأسرة الأساس التشريعي لتنظيم الروابط المالية بين الزوجين في القانون المغربي للحفاظ على مكتسباتها بشكل عام، ورد الاعتبار للمرأة المغربية على وجه الخصوص إذ أن مساهمتها في تحسين الأوضاع الاقتصادية للأسرة أمر لا يمكن تجاهله سواء في المدينة أو البادية  فالمجهودات التي تبدلها خلال قيام العلاقة الزوجية، تساهم بطريقة مباشرة  في تنمية أموال الأسرة.

وتنص المادة المذكورة أعلاه على ما يلي " لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الأخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الاتفاق على استثمارها وتوزيعها ويضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج يقوم العدلان بإشعار  الطرفين عند زواجهما بالأحكام السالفة الذكر وإذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع  للقواعد العامة  للإثبات مع مراعاة عمل كل  واحد من الزوجين، وما قدمه من مجهودات وما تحمله من اعباء لتنمية أموال الأسرة".

فإذا كانت الفقرة الأولى من هذه المادة قد أقرت باستقلال الذمة المالية لكل من الزوجين عن ذمة الاخر إلا أن المفهوم الجديد للأسرة من منظور بعدها الحقوقي والاجتماعي والثقافي والتربوي جعل المشرع يرفع من حق الرعاية المشتركة بين الزوجين إلى التفكيرفي مستقبل جميع أفرادها عن طريق الاتفاق وعن طريق الاستثمار وتوزيع الأموال التي ستنشأ خلال الحياة الزوجية باعتبار أن الرجل والمرأة شريكين وفاعلين في مجال يقتسمان مسؤولية تدبيره والحفاظ عليه. إنه الأسرة إلا أنه قد يتبادر إلى الدهن أن هذا الاتفاق ما هو إلا تدبير احترازي لحماية الحقوق المادية للطرفين في مواجهة الاخر تحسبا لأي نزاع في المستقبل وحقيقة الأمر وكما سبق الذكر أنه يهدف بالأساس إلى تدبير وصيانة الجانب المادي للأسرة سواء أثناء قيام العلاقة الزوجية أو في حالة انتهائها بالطلاق أو التطليق وحفظ الحقوق المشروعة لورثة أحدهما في حالة الوفاة كما تجدر الإشارة إلى أن العدلان سيلزمان باشعار الزوجين بهذه المقتضيات سواء كانا راشدين أو تم إجراء عقد الزواج في ‘إطار المادة 20 و21 من مدونة الأسرة، والمتعلقة بزواج من لم يبلغ سن الرشد طالما أن الإذن بالزواج الممنوح له من طرف قاض الأسرة المكلف بالزواج يخول له حق التقاضي في كل ما يتعلق بآثار هذا الفعل من حقوق والتزامات حسب المادة 21 من المدونة وبالتالي فإن هذا الاتفاق يقع صحيحا ولو كان  أحد الزوجين أو كلاهما قاصرا طالما أنه من التصرفات النافعة له نفعا محضا، وبنوده لا تضر بأحدهما تطبيقا لمقتضيات المادة 225 من المدونة ويعتبر هذا الاتفاق المبرم أمام العدلين حجة قاطعة في الإثبات ولا يمكن الطعن فيها إلا بالزور... إلا أنه وبالرغم من مرور حوالي 15 سنة على هذه المدونة فإن عدد الاتفاقات المبرمة في هذا الشأن لدى مكاتب السادة العدول بخصوص الرشيدية لا يتجاوز 40 عقدا.

ونظرا لعدم تفعيل الفقرة الأولى من المادة أعلاه من طرف العديد من الأزواج فإنه لا سبيل لمن يدعي المساهمة في تنمية أموال الأسرة مطالبا في نصيبه منها، أو تعويضه عن ما بدله من مجهودات بعد الطلاق سوى باللجوء إلى القضاء وتبقى مقتضيات الفقرة الأخيرة هي الواجبة التطبيق وبالرغم من عمومية الفقرة الأخيرة من المادة 49 من مدونة الأسرة فبالرغم من عموميتها في تحديد المجهودات التي تشكل مساهمة في تنمية أموال الأسرة وتقييمها، وإثباتها فإن العمل القضائي بالمملكة ابان عن وعي قضاة الأسرة في أهمية مساهمة المرأة في ذلك ويجسد هذا الوعي من خلال مجموعة من الأحكام والقرارات المتواترة  فقد جاء في قرار محكمة النقض حاليا المجلس الأعلى سابقا الصادر تحت عدد 520 في الملف 2008 والتاريخ 21 أكتوبر 2009.

أن مراقبة المدعية لأعمال البناء واستخلاص واجبات الكراء من المكترين يشكل اسهاما في تنمية أموال الأسرة وتستحق التعويض عن ذلك وقد تبين للمحكمة الابتدائية بالرشيدية هذا القرار في حكمها الصادر تحت عدد 720 في الملف 451 لسنة 2015 بتاريخ 6 أكتوبر 2016. وحيث أنها وبعدما ثبت لها أنه من خلال شهادة الشهود أن المدعية هي من أشرفت على بناء الطابق الأول من المنزل موضوع الدعوى، والملوك للمدعي عليه، أمرت بإجراء خبرة لتحديد قيمة المنزل المذكور وعلى ضوئها قضيت للزوجة بالتعويض على المجهودات التي قامت بها.كما اعتبرت نفس المحكمة في حكمها الصادر تحت عدد 138 في الملف 308/15 بتاريخ 18 فبراير 2016 أن كون المدعية تعمل طباخة في المناسبات وتقوم ببيع الأفرشة في الأسواق أثناء قيام العلاقة الزوجية، كما هو ثابت من شهادة الشهود يشكل قرينة على مساهمتها في تنمية أموال الأسرة وقضت لها بالتعويض مستندة في ذلك على قرار محكمة النقض الصادر تحت عدد 582 بتاريخ 22 يونيو 2017 في الملف الشرعي لسنة 2013 وقضت بذلك على المدعي عليه باداء تعويض لها عن ذلك.  
                      
وفي حكم أخر، وفي قرار لمحكمة النقض، بل في حكمها الصادر تحت عدد530 ملف 910 لسنة 2012 قضت على المدعى عليها بأدائها للمدعي تعويضا عن مساهمته في تنمية أموالها لاكتسابها المنزل موضوع الدعوى، وهذا من أكدته محكمة النقض في قرارها 566 ملف شرعي 28/7، والذي جاء فيه أن إدلاء الزوج بالوثائق تثبت مساهمته في العقارات التي تدعي مطلقته ملكيتها فيجب على المحكمة أن تجري بحثا أو خبرة للتحقق من ذلك ومن صحة تلك الوثائق كما تجدر الإشارة ان هذه المقتضيات تطبق أحكامها على العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين مغربيا، كما أكدت ذلك محكمة النقض في القرار 310 في الملف 431 .

في حين اعتبرت المحكمة الابتدائية بميدلت في مجموعة من الأحكام أن قيام المعنية برعي الأغنام وجميع الأشغال خارج البيت لا يدخل ضمن العمل العادي الواجب على الزوجة في إطار المعاشرة بل ربة بيت وتستحق عنه التعويض في حين اعتبرت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء ومعها المحكمة الابتدائية بأسفي أبعد من ذلك.

إذ اعتبرتا أن العمل اليومي للزوجة ولو داخل البيت ورعايتها لمصالح الزوج في غيابه، أثناء قيام العلاقة الزوجية، والحفاظ على مصالحه من الضياع، يشكل مساهمة  منتجة ، ويتعين أخدها بعين الاعتبار، وتستحق التعويض عن ذلك.

 وهنا تجدر الإشارة بموجب الاتفاق يمكن للزوجين  تسجيل أي عقار مكتسب بينهما  خلال الحياة الزوجية  باسمهما معا بالرسم العقار كما أنه يمكنها  في حالة إبرام هذا العقد بتاريخ لاحق، أن يقيدا ما اتفق عليه بالرسم المذكور كما أنه بوجود هذا الاتفاق فإنه  ونظرا لكون المشرع لم يحدد النطاق الزمني لرفع الدعوى في اكتساب الأموال المشتركة فإنه يحق لأي طرف  مطالبة الاخر بتنفيذ الاتفاق المبرم بينهما ولو خلال قيام العلاقة الزوجية ، إلا أن الإشكال يطرح في حالة عدم وجود أي اتفاق مطلقا، فهذه المادة لم تحسم في شكل استفادة الزوجين من هذه الأموال، وهو ما جعل محاكم المملكة تقضي للطرف المدعي بالتعويض عن مساهمته في تنمية المال المدعي فيه، مما يجعل مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 49 من مدونة الأسرة، امتداد لنظام الكد والسعاية بنكهة عصرية وبذلك أختم مداخلتي  وكلي أمل أن تقوم محاكم المملكة بتكريس ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بطنجة في قرارها الصادر تحت عدد984 ملف 4 رمز 98 لسنة 2004 والذي اعتبرت فيه أن الأصل في كل ما تم إنشائه خلال فترة الزوجية مشترك بين الزوجين حتى يثبت الانفراد في التملك بالبينة الشرعية.

المداخلة الرابعة حول المستحقات المترتبة عن الطلاق على ضوء العمل القضائي

الدكتور محمد حاميدي، محامي بالرشيدية

أما المداخلة الرابعة والتي كانت تحت عنوان " المستحقات  المترتبة عن الطلاق على ضوء العمل القضائي " للدكتور محمد حاميدي، محامي بالرشيدية والتي جاء فيها.

بعد التحية للجميع متمنيا أن تكون امرأة عدل في  إطار مقاربة النوع التي فتحها المشرع المغربي في سابقة وفي ضل باقي التشريعات والتي أعطت للمرأة الحق  حتى لا تبقى بعيدة عن ممارسة هاته  المهنة التي هي مهنة من المهن المساعدة للقضاء.

 في ما يتعلق بهذا الموضوع لم أقم بإعداد ورقة مكتوبة  ولكن أريد أن أتقاطع مع الحضور الكرام مجموعة من الأفكار، ومجموعة من التساؤلات التي طالما روضتني  في ظل مدونة الأحوال الشخصية من خلال التجربة التي تناهز 20 سنة من الممارسة  العملية في مجال المحاماة. وكيف كانت تحدد المستحقات المترتبة عن الطلاق وكيف أصبحت في ظل مدونة الأسرة وما الفرق بينهما؟ هل  هناك تغيير في ضل الاجتهادات القضائية؟ كلها أفكار  سأحاول أن أناقشها مع الحضور الكريم بصوت مرتفع فلا شك أن الزواج يعتبر أسمى علاقة إنسانية، قبل قليل قال السيد الوكيل العام المحترم أن النواة الأولى للأسرة، أسمى ما يمكن أن يكون في الأسرة ويعطينا أسرة هو الزواج المستقر، والعلاقة الزوجية تسمو فوق المادة، تسمو فوق التبعية، وهذا السمو لا يمكن أن تجبر أحدا على ألا يخرج من هذه العلاقة إذا أرتئ نظره أن ينهي هذه العلاقة ، من هنا شرع الطلاق  ولكي لا يمارس هذا الطلاق بنوع من التعسف وتكون مجموعة من الشروط ومن القيود أحاطها المشرع سواء كان الشرع أو المشرع الوضعي، حتى يضمن مستحقات مترتبة عن الطلاق، فمنها تأتي الآية الكريمة " إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" ولما شرع الطلاق، شرعت كذلك المتعة، وهذه المتعة هي أسمى ما يمكن أن نناقشه في المستحقات المترتبة عن الطلاق،، هناك فعلا مستحقات أخرى من نفقة وسكن، ولكن المتعة أسالت الكثير من الكتابات  ومن المداد ونوقشت هل هي تعويض، اختلف  الفقهاء في تحديدها أم لها ماهية فقهية خاصة، فمثلا ابن حزم يعتبرها فريضة انطلاقا من قوله تعالى " يأيها الذين  آمنوا إذا نكحتم النساء ثم  طلقتهن، من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن  من عدة تعتدونها، فمتعوهن وسرحوهن سراحا  جميلا".

الملاحظ من خلال هذه الآية الكريمة أن في ذلك تحقيق لحكمة تشريع المتعة، وهي تكريم الزوجة وجبر الضرر الواقع لها وما يلحقها في الطلاق، فلزم أن تمتع ما يخفف مصابها. ويقلل فاجعتها، فهذا الجانب من الفقه يقر للمرأة المتعة ولو بدون دخول، فالكثير من قد يفهم فهما خاطئا أن هذه المتعة تأتي من بعد الدخول، ومن بعد الدخول ممارسة الحياة الزوجية لمدة كبيرة، والحال أن هذا الجانب من الفقه اعتبرها فريضة.

فجمهور الفقهاء على خلاف هذا الجانب يعتبر هذه المتعة أو الطلاق حقا مباحا لا يرتب أي تعويض ومن جمهور الفقهاء الفقه المالكي، هنا نطرح علامة استفهام. فمدونة الأسرة وبعض موادها تحيل على الفقه المالكي، لاعتبار الطلاق حق لا يترتب عنه أي تعويض، فهل يعتبر الفقهاء بصفة عامة المتعة بمثابة تعويض أم لها ماهيتها الخاصة حسب تساؤلنا الأول، وما هي المعايير المعتمدة من طرف القضاء في تحديد المتعة وباقي المستحقات المترتبة عن الطلاق من نفقة وحضانة وسكن. وهل وفق المجلس الأعلى في قراره الصادر بتاريخ 21 شتنبر 2010 وهو القرار الذي أسال الكثير من المداد وهو القرار 433 الذي نفى على المطلقة التي تطلب الطلاق للشقاق أن تطلب المتعة أو تستحق المتعة في ضل طلبها التطليق  للشقاق، فإذا كان المشرع طبقا لمقتضيات المادة 84  من مدونة الأسرة حدد بعض المعايير ومن ضمنها  فترة الزواج .والوضعية المالية للزوج .أسباب الطلاق .

ومدا تعسف الزوج في توقيعه، فهل هذه المعايير  من الناحية الواقعية هي ما يؤخذ به في ظل البون الشاسع  بين المحاكم في تحديد هذه المستحقات .. الملاحظ أن هناك تغيير جدري في تحديد المستحقات المترتبة على الطلاق.. أنا استحضر عند بداية الممارسة القضائية أن السيد قاضي التوثيق كان هو المكلف بتحديد المستحقات المترتبة بعد الطلاق، قبل مدونة الأسرة، وكانت هذه المستحقات تحدد بشكل من التوسط... إلا أن أصبحنا نرى في محاكم مختلفة بل داخل نفس المحاكم بل داخل نفس الهيئة، أن هناك بون شاسع في تحديد هذه المستحقات فقد تصل إلى 100 ألف أو 200 ألف درهم مثلا. ويطرح هنا سؤال عريض. هل فعلا تؤخذ  المعايير فقط المتعلقة بفترة الزوجية وتعسف الزوج باستعمال هذا الحق، سيما أنه لا أحد يمكنه أن يحسم هل هناك تعسف من الزوج في استعمال حقه في الطلاق، في ضل أن العلاقة الزوجية مكتومة بالسرية، ولا أحد يحكم بين الزوجين إلا الله، والقضاء يتولى الظهائر والله يتولى السرائر.

نقطة أثارت كذلك الكثير من الاختلاف هي تحديد السكن والنفقة للمطلقة طلاقا بائنا فيما يتعلق بفترة العدة، فهناك بعض الفقهاء اللذين أنكروا على الزوجة أن تستحق أي نفقة وأية متعة أو أي واجب للسكن خلال فترة العدة. وهناك جانب من الفقه قال أن المرأة تستحق نفقتها وسكنها أثناء العدة... والجانب المغربي الذي يتبنى الفقه المالكي يقول أن المرأة لا تستحق النفقة أثناء العدة، وإنما تستحق نفقة السكن فقط. وببحثنا وجدنا قرارا  يتيما، وهو نادر صادر عن المحكمة الابتدائية بتاونات يعود إلى 5 أكتوبر 2005، جاء في  حيثياته "وحيث أن نفقة المطلقة تبقى في مال مطلقها فترة عدتها، مع اعتبار حاله، فقد ارتأت المحكمة تقديرها في مبلغ 9000 درهم" وأنا أتحدث عن النفقة أثناء العدة، فلا وجود لقرارات باستثناء هذا الحكم اليتيم كما قلت، وهو تبنى جانبا من الفقه الذي أعطى المرأة الحق في النفقة أثناء العدة  وكذلك في السكن.

أعود لقرار محكمة النقض وهو القرار 433. فبين المؤيدين لهذا القرار وبين المانعين على الزوجة أن تستحق  متعتها فالأدلة على المانعين على المطلقة للمتعة ،  أن المستحقات لايؤخد بها إلا في حالة تقديم الطلب  من الزوج وهو ما تنص عليه المادة 52 من مدونة الأحوال الشخصية سابقا، عندما قالت "يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته، إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره وحالها كذلك نسيق الحيثيات إذا تقدمت هيا بالطلب، أن الزوجة طالبة التطليق ، إذا كانت محقة ، فإنه يقضى لها بالتعويض  وقال الشافعي في هذا الصدد ـ المتعة واجبة لكل مطلقة إذا كان الفراق من قبله.-... وأمر مباشرة إلى أذلة الموجيزين تبنى على أن شأن تبني الاجتهاد القضائي المذكور، والتي تبنته مختلف المحاكم المغربية، فلا تحكم لطلبة الطلاق للشقاق بمتعتها، وهذا من شأنه المس بالسلم الاجتماعي والأمن القانوني، بل أن هناك وجود غاية أخرى، ساقها المشرع من خلال الطلاق الخلعي، فلو كانت هناك إرادة  للمشرع لمنع الزوج من استحقاق لمتعتها، لما قام بتفريد نص خاص بالطلاق الخلعي .فالطلاق الخلعي هو نوع من أنواع الطلاق الذي يخول للمرأة بإرادتها أن تتنازل على حقوقها ومن ضمنها هاته المتعة، وبالتالي لما تتقدم بطلب الطلاق للشقاق، فمن حقها كذلك أن تحضى بمتعتها، كذلك أخذا بالاجتهاد المذكور التمييز بين الرجل والمرآة في سلوك واستعمال مدة تشريعية وتيسيرها للزوج دون الزوجة، والزوجة غالبا ما لا تقدم طلب التعويض إلى القضاء، وأنتم تعلمون طبقا للمادة 3 من قانون المسطرة المدنية بأن المحكمة ملزمة بالبث في حدود طلبات الأطراف، فلو لمست المحكمة أن هناك حيف أو ضرر لهذه الزوجة، فلا حق لها أن تطلبه لتلك الزوجة.

وآخر ما يمكنني أن أثيره في هذا النقاش هو بعض قرارات محكمة النقض، والتي دأبت حاليا في ضل الفرق الشاسع في تحديد المستحقات بين المحاكم المغربية وهنا لا بدل أن أشير إلى نقطة، وهو هل يعقل  أن نجعل من الأحكام القضائية، جانبا شكليا فقط في تحديد مبلغ السكن في مبلغ 100 أو 150 درهما في جميع المحاكم المغربية، فهذا أصبح شكلية أكثر من غاية المشرع في تحديد الواجب للسكن فلما  نقول أن هناك تجاوزات في تحديد مستحقات كبيرة كمائة ومائتين ألف درهم نجد في المقابل أنه لا يعقل أن تستمر المحاكم المغربية في تحديد مبلغ 100 أو 150 للسكن، فهذا حيف في حق المرأة.

فلما تسائلنا مع محكمة النقض من خلال استقراء مجموعة من القرارات وجدنا أن السادة المحامون وكذلك  المتقاضين لا يلجئون لمحكمة النقض، لتحديد معيار حقيقي لتحديد المستحقات ، تحت طائلة إرجاع الملفات للمحاكم الصادرة له... هو الدخل الثابت ويقصد به  الحقيقي والذي عليه وسائل إثبات حقيقة، من غير الدخول الأخرى المتعلقة بالعقارات التي لا طائلة منها ... أتمني أن أكون موفقا في مداخلتي وشكرا.

الجلسة الثانية: الأستاذة المحامية لالة هشوم علوي عمري

أما الجلسة الثانية من هذه الندوة فقد ترأستها الأستاذة المحامية لالة هشوم علوي عمري والتي أكدت في تقديمها أنه سعيا في المجتمع المغربي لتوفير سبل النجاح والتطبيق السليم لمدونة الأسرة ، حرص المشرع أن يجعل من النيابة العامة طرفا رئيسيا في هته المدونة ، في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق هذه الأخيرة ، وانطلاقا من هذا المبدأ أسند المشرع مهام جديدة للنيابة العامة في قضايا مدونة الأسرة ، والغاية منها حماية الأسرة وضمان استقرارها.

المداخلة الأولى حول دور النيابة العامة في حماية استقرار الأسرة من خلال مدونة الأسرة

الأستاذ حسن حمداوي نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرشيدية

المداخلة الأولى من الجلسة الثانية قد كانت تحت عنوان " دور النيابة العلمة في حماية استقرار الأسرة من خلال مدونة الأسيرة" ألقاها الأستاذ حسن حمداوي نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرشيدية وقد جاء فيها:

بعد البسملة (ص) أكد الأستاذ الحمداوي أن جهاز النيابة العامة يعتبر أهم أجهزة القضاء التي تمارس هذا الحق باسم المجتمع ولتحقيق المصلحة العامة في الحدود التي خولها القانون.

كما تباشر سلطاتها باسمها وذلك بوصفها سلطة الاتهام في الحق العام ، لتحقيق العدالة والدفاع عن المجتمع ، وحقه في حياة آمنة والدفاع عن جميع أفراد المجتمع ، وخلافا للدور البسيط للنيابة العامة في تحريك سير الدعوة العمومية ومباشرتها أمام القضاء للوصول إلى إثبات وجود الفعل المعاقب عليه، وإقامة دليل على الجرم وتوقيع العقوبة عليه، وقد أرتئ المشرع المغربي أن يمتد دور النيابة العامة من جهة أخرى التدخل لدى قاضي شؤون الأسرة في القضايا المتعلقة بالأسرة بصفتها طرفا أصليا أو طرفا مضمنا في الدعوى لتساهم بشكل فعال في الحفاظ على الأسرة واستقرارها.

سرجيز كلمتي.. ولما كان قضاء الأسرة ينفرد بخصوصية عن القضاء المدني رغم أنه فرع من فروعه لكونه يسعى إلى تحقيق مصلحة عامة هي مصلحة الأسرة التي تمثل الخلية الأولى في المجتمع ، صلاحه من صلاحها ، وفساده من فسادها وما دامت الرابطة بين الأسرة والمجتمع أكيدة فقد ثم تنصيب النيابة العامة كطرف في القضايا التي تهم الأسرة، وذلك بمقتضى نصوص خاصة لهذا الغرض مما يضمن للنيابة العامة الإسهام في نجاعة القضاء، وخاصة قضاء الأسرة لحماية الأسرة والنساء والأطفال على وجه الخصوص ونظم المشرع المغربي أحكام الأسرة بمقتضي قانون 70/03 لمدونة الأسرة.. وسعيا منه إلى توفير سبل النجاعة والتطبيق السليم لهذا الأمر، أسند للنيابة العامة اختصاصات مهمة في جميع المراحل، بدءا من أبرام عقد الزواج إلى تصفية التركة، مرورا من جميع المشاكل والمحطات التي يمكن أن تمر منها العلاقة الزوجية من طلاق وتطليق، ونفقة وحضانة ونسب، وغيبة وأهلية ونيابة شرعية، وسنحاول ملامسة هذا الموضوع في محورين أساسيين المحور الأول يرتكز على طبيعة دور النيابة العامة في قضايا الأسرة بدأ بإبرام عقد الزواج إلى تصفية التركة، وفي المحور الأول تتدخل النيابة العامة كطرف أصلي وطرف منظم في آن واحد لكن تدخلها يكون تبعا لطبيعة المهام التي تقوم بها، بغية حماية النظام العام والمصالح المحددة قانونا، أو إبداء المصلحة القانون، والعدالة أساسا، حيث يتعين على النيابة العامة أن تقدم استنتاجاتها من كل ملف كلما تعذر حضورها ، لأن المشرع لم يرتب بطلانا عن حضورها. في الجلسات الجنائية طبقا للمادة 4 والمادة 7 من ظهير التنظيم القضائي، واعتبار النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام مدونة الأسرة، وهذا ليس من شأنه أن يعرقل عمل القاضي، بل مساعدا له على تطبيق القانون.

إن الهدف من إعطاء النيابة العامة دورا في قضايا الأسرة، هو منحها ما قد يكون الأطراف من حقوق، كحق الطعن، بحيث يكون هذا الأخير السبيل الوحيد لحفظ ومؤازر مما الضعفاء. في الدعوة، وتتدخل النيابة العامة في مجموعة من القضايا كطرق منظم خصوص المتعلق بمقتضيات الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية، حيث تبدي رأيها لفائدة القانون، ويتضح ذلك جليا من بعض المواد ن كالمادة 88 والمادة 245 من مدونة الأسرة، أما في ما يخص قضايا الحالة المدنية، فإن النيابة العامة تتدخل كطرف أصلي لتعلقها بالنظام العام، كما تأخذ نفس الصفة في القضايا المتعلقة بكفالة الأطفال المهملين إذا كانت مدعية أو مدعى عليها، كتحريك دعوة التصريح بالإهمال أو المطالبة باتخاذ إجراءات معينة في مصلحة الطفل وتأخذ صفة الطرف المنظم إذا لم تكن هي التي رفهت الدعوة، أو أقيمت ضدها وباستقراء مضمون المادة 43 من مدونة الأسرة ، يتبين أن دور النيابة العامة في دعاوى التعدد، يدخل في إطار إشراكها في تجهيز القضايا، المتعلقة بالأسرة، وبالأساس في السهر على تبليغ الاستدعاء للزوجة المراد التزوج عليها، وفي حالة غياب هده الأخيرة، لا يمنح الإذن بالتعدد إلا إذا إفادة النيابة العامة يتعذر الحصول على موطن أو محل إقامة الزوجة، وبالإضافة إلى تبليغ الاستدعاء، فإن النيابة العامة تتدخل كطرف أصلي بناءا على طلب من الزوجة المتضررة ، في حين تتدخل هذه الأخيرة من أجل تحريك الدعوة العمومية ضد الزوج إذا لم تتنازل الزوجة عن شكايتها.

وبخصوص تدخل النيابة العامة لإرجاع الزوج المطرود وحماية حقوق الطفل، فقد تم تخويل قضاة النيابة العامة صلاحية إرجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية وحماية حقوقه، وان لا يتم التسرع في اتخاذ إجراءات قد تبطل العلاقة الزوجية، حيث أن المادة 53 من مدونة الأسرة جاءت لتعزيز دور النيابة العامة في إرجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية على الفور، إلا أنها لم تنص على جزاء الامتناع على ذلك، وهذا ما فطن إليه المشرع المغربي، تداركه بما قرره في القانون 107 -13 بنصه في الفصل 480-1 على تجريم الطرد من بيت الزوجية والامتناع عن إرجاع الزوج المطرود.

كما أضحى للنيابة العامة دورا أساسيا في حماية الحقوق المترتبة للأولاد، تجسيدا لإتفاقية حقوق الطفل الصادرة سنة 1989 وذلك على مستوى الرعاية الصحية والمالية والحضانة كما سنت المدونة الحقوق الواجبة على الأبوين، وأناطت للنيابة العامة مهمة السهر على مراقبة تنفيذ هذه الحقوق .. وتتدخل النيابة العامة أثناء انحلال العلاقة الزوجية من طلاق أو تطليق وما يترتب عنها من حضانة ونسب وغيبة وأهلية ونيابة شرعية في هذه المرحلة أو في مرحلة انحلال ميثاق الزوجية، فإن دور النيابة العامة يبرز من خلال السهر على تجهيز الملفات الرائجة والوقوف على التبليغ والسهر على حماية حقوق الزوجة والأطفال ووضعهما الاجتماعي، وكذا حماية حقوق المتغيب والمفقود، وتقديم طلب التصريح بحياته أو إثبات التاريخ الحقيقي لوفاته.. كما أناطت بالنيابة العامة تجهيز الملغاة المتعلقة بالطلاق أثناء مسطرة الصلح وذلك بإبلاغ الزوجة للبث في غيبتها إن لم تحضر رغم توصلها شخصيا بالاستدعاء.

وتوخيا لسرعت البث في دعاوى التطليق، أناط المشرع المغربي بالنيابة العامة مهمة مساعدة المحكمة في إجراءات التبليغ بالوسائل المتبعة، كما تقوم بإجراء الأبحاث للتأكد من واقعة (الغيبة) وصحت إدعاء الزوجة، وبما أن المشرع المغربي أوكل للنيابة العامة مهمة حماية الأطراف الضعيفة في مؤسسة الأسرة، والتي لا تستطيع القيام بشؤونها بنفسها فقد أسند لها مهمة حماية مصالح الطفل من كل الأضرار التي قد يتعرض لها ... وأعطى لها صلاحية حماية مصالح المحضون بإعطائها مهمة الأصلح للحضانة، كما خول لها الحق في المطالبة بإسقاط الحضانة، كما لها أن تطلب من المحكمة أن تظمن في قرار إسناد الحضانة.

أو في قرار منع السفر بالمحضون إلى الخارج دون موافقة نائبه الشرعي وتتولى تبليغ القرار للجهات المختصة.

كما أن النيابة العامة أسندت إليها مهام أضافية، يمكن إجمالها في قضايا الحضانة وقد خص المشرع المغربي قضايا الحضانة حيث أخذ بعين الاعتبار مصلحة الطفل المحضون طبقا لاتفاقية حقوق الطفل الصادر سنة 1989 وما قد يتعرض له الطفل من أضرار سواء كانت جسمانية أو معنوية وأعطى لها صلاحية مراعاة مصلحة المحضون بالسهر على اختيار الأصلح للحضانة ، وهو ما كرسته المادة 165 من مدونة الأسرة ... كما تتدخل النيابة العامة إذا بلغ إلى علمها أن حقوق المحضون مهددة بأخطار ،وثبت لها عدم أهلية الحاضن لهذه المهمة ، أو فيه خطر على مصلحة الطفل أو قد يكون في وضعية خطيرة قد تزداد تعقيدا إذا لم يتم التدخل وبالسرعة المطلوبة ، ويتعدى دورها في التدخل لمنع السفر بالمحضون تأسيسا على مقتضيات المادة 179 من مدونة الأسرة والتي جاء فيها "تتولى النيابة العامة تبليغ الجهات المختصة بالمنع قصد اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تنفيذ ذلك " فإذا كان مرتكب الجريمة ، قد حرم من الولاية على القاصر فإن الحبس يمكن أن يصل إلى 3 سنوات وهذا ما نصت عليه مقتضيات الفصل 477 من القانون الجنائي .. وهي جنحة في حالة إذا ما أمتنع عن تسليمه إلى من له الحق فيه.

وتجدر الإشارة إلى أن الحاضن يمكن أن يقدم المحضون لمن الحق فيه ، خاصة نائبة الشرعي والقيام بزيارته والتي تحدد بناءا على اتفاق بينه وبين النائب الشرعي أو بمقتضى حكم قضائي حتى لا يقع تحت طائلة مقتضيات الفصل 476 من القانون الجنائي.

وتتعدى أدوار النيابة العامة إلى دورها في قضايا الأهلية والنيابة الشرعية لحماية المحجور، عن طريق إقامة الدعوة، متى رأت في ذلك مصلحة للمحجور وحماية أمواله من الضياع والتلف وتقديم مستنتجات ومقترحات أثناء سريان المسطرة لتطبيق القانون.

وتلعب دورا مهما في مجال الأهلية بفقدانها أو انعدامها وما يترتب عن ذلك من آثار قانونية تمس الذمة المالية للمحجور عليه، قد تحرمه من التصرف في أمواله ، إذ من حقها رفض الطلب إلى المحكمة قصد إستسضدر حكم بالتحجير على الفاقد الأهلية ، كما لها الحق في إلغاء الإذن بتسلم الصغير لجزء من أمواله قصد التجربة من الخلال المادة 220 و221 من مدونة الأسرة.. للنيابة الحق في طلب الحجز أو رفعه كما لها الحق أن تتقدم بمقال إلى المحكمة تطلب في إصدار حكم بالحجر على كل من ظهرت عليه علامات الجنون أو السفه أو العته إذا توفرت لها أدلة تثبت ذلك، كما يمكن لها طلب رفع الحجر بتعزيز طلبها بأسباب وجيهة، وعلى النيابة العامة في وجود قاصرين بوفاة الوصي أو المقدم إبلاغ القاضي المكلف بشؤون القاصرين بواقعة الوفاة، كما أن للنيابة العامة الحق تنصيب الوصي أو المقدم وفي عزله وتتبع عملها للوقوف على أعمال قد تضر بمصالح المحجور.

 ومن خلال ما سبق وفي إطار دور النيابة العامة في تحريك الدعوة العمومية، فإنها تتدخل في تحريكها إذا كان الوصي أو المقدم قد أخل وأثبتت وقوفها على ذلك، بمتابعته جنائيا ومسائلته عن الإخلال بالتزاماته في إدارة شؤون المحجور وتطبق عليه أحكام مسؤولية الوكيل. وخلاصة القول، فإن المشرع المغربي، أناط بالنيابة العامة مهام عظام ومسؤوليات جسام، وتلك الأدوار الهامة والمتعددة التي تطلع بها، توازي في ذلك اختصاصاتها في ممارسة الدعوة العمومية ، وذلك لما تحققه لكل مكونات الأسرة من توازن وحماية واستقرار لفائدة القانون والعدالة ومصلحة الأسرة والحفاظ على كيانها إن على مستوى مدونة الأسرة أو على مستوى قانوني الأطفال المهملين أو الحالة المدنية سواء عن طريق تحريك الدعوة العمومية متى رأت مصلحة الأسرة والأطفال في ذلك أو بتقديم مستنتجات مبنية على دراسة كاملة للوقائع المحيطة بالملفات المحالة عليها والسلام عليكم ورحمة الله.

المداخلة الثانية حول النسب الناتج عن الحمل أثناء الخطبة من خلال العمل القضائي

الأستاذ مصطفى الزرقاني رئيس قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية

أما المداخل الثانية من الجلسة الثانية فكانت تحت عنوان "النسب الناتج عن الحمل أثناء الخطبة من خلال العمل القضائي" والتي ألقاها الأستاذ مصطفى الزرقاني رئيس قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية حيث جاء فيها بعد التقديم لرئيسة الجلسة الأستاذة للاهشوم علوي عمري حيث وطئت هذه المداخلة بقولها فيما يسد الفراغ في هذا الباب، ويحمي حق الطفل في النسب، وفي نفس الوقت يحمي المخطوبة ويمكنها  من سلاح لإثبات حملها وإلحاقها بأبية الخاطب، متسائلة عن كيفية تعامل القضاء مع المادة 156 وما يليها من مدونة الأسرة؟

بعدها تدخل السيد المحاضر قائلا في مداخلته حول النسب الناتج عن الحمل أثناء الخطبة:

فبعد البسملة (ص)، والتحية، قال: عنوان مداخلتي هو النسب الناتج عن الحمل أثناء الخطبة، ولا أجد حرجا في أن أقول، أن موضوع هذا العنوان، فضلا عن التطليق للشقاق، يعد أحد أبرز المستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة، لا لشيء إلا لأنه كان قطيعة مع مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، وما كان يسير عليه العمل القضائي، خاصة قضاء المجلس الأعلى أنذلك، كان يرد كل محاولة اجتهادية في الموضوع تسير نحو قرض مشروعية ونسب حول كل إبن خارج علاقة الزواج لعلة قاعدة مفادها "لا اجتهاد مع وجود النص " إسنادا إلى مقتضيات الفصلين 84 و85 من مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، أما اليوم وبصدور مدونة الأسرة عن قرابة ما يزيد عن 15 سنة من دخولها حيز التنفيذ، مما جعل العمل بمقتضيات المادة 156 من مدونة الأسرة تكتسب عدة إشكالات عملية، نحاول استعراضها أمامكم ، وذلك عبر بسط شروط هذه الدعوة ، من خلال شروط تسميها بداية، بشروط أولية وشروط أخرى تسمى مباشرة فلماذا هذا التقسيم؟ ولماذا هذا التصنيف؟ لأن بقراءة متأنية لأحكام المادة 156 من مدونة الأسرة والتي تتكون من أربعة فقرات نجدها لا تنص فقط على تلك الشروط التي جعلت المادة 2 منها تقول "يشترك في هته الدعوة.

أ – ب – ج – بالإضافة إلى شروط أخرى تضمنتها هذه المادة، وهي شروط في حقيقة الأمر غير مباشرة.. كبداية لهته الشروط أصنف الشروط الأولية إلى أربعة شروط، أولها شرط تمام الخطبة والمقصود بتمام الخطبة في الأعراف المغربية من تبادل الهدايا، وتركيب الخواتم، إلى غير ذلك إلا أنه يجب ملاحظة أهمية هذا الشرط من خلال ما سار عليه العمل القضائي، إذ المقصود بتمام الخطبة، خطبة كما هو معلوم لدينا، ليس فقط مجرد توعد على الخطبة، وهكذا سارت محكمة النقض إلى تأيد قرار لمحكمة الاستئناف، مفاده انه ثبت من خلال وثائق الملف، أن المدعية رافعة الدعوى، تؤكد من خلال تصريحاتها على أن المدعي كان يعدها بالخطبة، وبالتالي فالأمر يتعلق فقط بالوعد بالخطبة، وليست بخطبة تامة حتى نتحدث عن الخطبة، وبذلك لا مجال لإعمال مقتضيات هذه الفصل.

ثاني هذه الشروط هو شرط الإيجاب والقبول، والمقصود هنا ليس المنصوص عليه في المادة 10 من مدونة الأسرة، بل الإيجاب والقبول حول الخطبة والتي هي وعد بين رجل وامرأة على الزواج.. وبالرغم مما قد يبدو من بديهيات هذا الشرط للكثيرين، إلا أن علة الرفض في دعوى النسب ناتج عن الخطبة في كثير من الأحكام تكوم استنادا لهذا الشرط، إذ كثيرا ما تكون  في حمل ناتج عن الخطبة، كونه هذا الحمل يتعلق بخطبة، غير أنه يثبت من خلال الأحكام الجنحية أن الأمر يتعلق باغتصاب في هذه الحالة عن أي إيجاب وقبول نتحدث ،والحال أن الاغتصاب يفترض فيه أن يكون ناتجا عن إكراه وعنف وغير ذلك فاستنادا لهذا الشرط، وهو ما تؤكده محكمة النقض المستقرة والثابتة على هذا الموضوع.

ثالث الشروط هو ظرف قاهر حال دون توثيق عقد الزواج. هذا الشرط من البديهي أن يذكرنا جميعا بمقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة ، والتي تتحدث عن فرضية ثبوت الزوجية وحقيقة أن تعريف ذلك الظرف الموجود في المادة 16 من المدونة لا يختلف عن نظرية الموجودة في المادة 156 فهو في جميع الأحوال، ذلك الظرف المادي الذي حال دون توثيق عقد الزواج، والذي يكون لقاضي الموضوع سلطة تقديرية في تقدير وجوده من عدمه، على اعتبار اتصاله بالواقع، أكثر من القانون، ومن الحالات التي درج العمل القضائي على اعتبارها من حالات الظرف القاهر، أن يكون الخاطب والمخطوبة وكذلك الزوج والزوجة بمقتضيات المادة 16 في مكان لا توجد به مكاتب عدول، وكذلك في ما يتعلق بفرضية المغاربة المقيمين في الخارج، والذين يوجدون في دول لا توجد فيها سفارات وقنصليات بهذه الدول كذلك من بين هذه الحالات أن يكون الأمر يتطلب وجود وثائق معينة من جهات لا تمكن من توفير هاته الوثائق، هذه من قبيل بعض النماذج التي اخذ بها القضاء المغربي..

ورابع هذه الشروط وهي ظهور حمل بالمخطوبة، والملاحظة في هذه النقطة هو انه صحيح أن المادة في فقرتها الأولى قد تحدثت عن ظهور حمل بالمخطوبة ، لكن الأمر لا يتعلق فقط بالحمل لما يتبادر للأذهان من خلال القراءة الحرفية للنص فالمراد من ظهور حمل المخطوبة ليس فقط ظهور الحمل بل يتعلق الأمر بأبناء، والصورة تثبت في الواقع العلمي المطالبة بالخبرة الجينية غالبا بين لابن والمدعى عليه الذي يفترض فيه انه هو الخطيب..

فهذه هي الشروط الأربع وما يميز هذا الصنف من الشروط، هو انه لا مجال للحديث عن بقية الشروط، ولا مجال للحديث عن دعوى النسب الناتج عن الخطبة إلا بتوفر هاته الشروط، وبذلك ننتقل إلى تلك الشروط التي أسميناها بالمباشرة، لا لشيئ إلا لأن نص المادة ، نص صراحة أنه يشترط في هذه الدعوى هذه الشروط والشروط المباشرة هي بدورها أربع، أستهلها بأول شرط هو اشتراط اشتهار الخطبة بين الأسرتين، وأقف معكم حول هذا الشرط في نقط معينة، فالمقصود باشتهار الخطبة بين الأسرتين، ليس موافقتهما كما تذهب بعض البحوث وكما تذهب بعض الأحكام الابتدائية بل هو فقط حصول العلم لدى الأسرتين ...

وثاني النقط بخصوص هذا الشرط  هو أن المادة نصت على مصطلح الأسرتين، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن يكون العلم متعلق بالأسرتين، لان الأساس هو تحقق الشهرة، هذه الشهرة تكون لدى الجميع إذ غالبا ما تأتي المدعية بشهود يشهدون بكونها بالفعل هي خطيبة فلان، وأنهما أقاما حفلا فيه مجموعة من المظاهر المتعارف عليها لذا المغاربة ...

ثالث هاته الشروط المباشرة هي موافقة الولي وانسجاما مع مقتضيات مدونة الأسرة والتي جعلت الولاية حق للمرأة تمارسها المرأة الراشد بنفسها يعتبر من مقتضيات هذا الشرط أن المادة 156 تستفيد منها حتى القاصر ذكرا كانت أم أنثى ، ثالث هذه الشروط، هو شرط كون الحمل هذا قد وقع أثناء الخطبة وهذا يعني انه يجب أن تحدد عند النظر في هذه الدعوى، لحظة انطلاق الخطبة ولحظة العدول عن ذلك، حتى تتأكد من كون الحمل هذا هو بالفعل كان خلال فترة الخطوبة مستعينا في ذلك بأحكام المادة 156 من مدونة الأسرة والتي تحدد ادنى مدة الحمل في ستة أشهر وأقصاها سنة.

غير أن ليس بالضرورة هذا الشرط فقد ذهبت محكمة النقض على انه ما ثبت من خلال شهادة الشهود أن الحمل جاء أثناء الخطوبة، ثم صرف النظر في البث والتدقيق في هاته النقطة أو نقظت منطوق الحكم ألاستئنافي بمحكمة اكادير بينما أن أطراف تبين بالفعل على أن الحمل ناتج أثناء الخطبة، وعلى المدعى عليه ان ينازع في  ذلك خلال تلك المراحل كطاعن.

رابع هذا الشرط ينتج الصورتين ، الصورة الأولى وهي تلك الصورة البسيطة والتي بالفعل يأتي الطرفين ويقران بكون الحمل منهما والواقع العلمي يتحدث عن صورة غائبة وليست قائمة هناك مقتضيات أخرى تجبها فغالبا ما يلجئ إلى مقتضيات المادة 160  ويقر بكون هذا الحمل منه والإقرار بالنسب هو صحيح طبقا لهذه المادة وكذلك الغالب انه من يقر بالحمل بعد خطبة واقعة ما يلجئون إلى المادة 16 عشر من مدونة الأسرة ويقيمون دعوى ثبوت الزوجية وإنما الصورة الغالبة في العمل القضائي هي إنكار أحد الطرفين والذي لا يكون في الغالب إلا المدعى عليه والذي يفترض بكونه هو الخطيب بإنكار الحمل وفي هذه الحالة هل هو ينكر الخطبة برمتها أم فقط ينكر الحمل ، فإن أنكر الخطبة برمتها يكون على عاتق الجهة المدعية أن تثبت الخطبة برمتها ، أم إن هو حقيقة لم ينكرالخطبة بل فقط أنكر الحمل ، وبذلك تكون شروط الخطبة قائمة ويكون على المحكمة التقدير بشرط مدة الحمل ( أدناها وأقصاها)  أو اللجوء إلى الخبرة ، والتي تكون خبرة بيولوجية ، تثبت علاقة المخطوبة بالخاطب وكون الابن خلال فترة الخطبة هو بالفعل ابنهم.

وهنا أتوقف عند مصطلح الشبهة الواردة في هذه المادة إذ غالبا ما يقوم الطرف المدعي، بدفع مفادة، على أن شرط الشبهة غير قائم في هذه الدعوى وهنا يثار تسائل؟ هل الشبهة المقصود منها هنا هل هي شرط؟ ويعلم أن الشبهة عندنا في المذهب شبهة فعل أو محل أو عقدة، فشبهة الفعل هي أن يأتي شخص بفعل ضانا منه انه حلال وهو حرام، وشبهة المحل ان يأتي شخصا ضانا أن فعله حلال لوجود شرط ضعيف والحال أن هناك قولا راجحا في المدعي يستبعده، وشبهت العقد أن يأتي الشخص فعلا أو تصرفا ضنا منه صحيح استنادا إلى عقله الصوري والحال أن هناك عقدا مستمرا يعود إليه في جميع الحالات التي نأخذ بفرضية الشبهة هاته ، ونحاول إسقاطها على المادة 156 من مدونة الأسرة في قواعدها العامة أو فروعها سوف نجد ان مصطلح الشبهة وفق أحكام الفقه المالكي المشهورة سوف نجد انه لا يمكن إسقاطها لعلة بسيطة، أن الخاطب والمخطوبة عندما مارسوا فعلهم هذا كانوا يمارسونه وهم على علم أنهم ليسوا بزوجين، والقيام بهذا الدفع إدا ما اعتبرنا أن الشبهة شرطا يفرغ المادة 156 من محتواها، والحال أن مصطلح الشبهة هذا لا يقصد به ( الشرط) بل إن الشبهة المقصودة هنا يتحقق بكامل الشروط التي أسلفت ذكرها وذلك الابن هو ابن المدعى عليه وبذلك اختم كلمتي.

المداخلة الثالثة حول الولاية الشرعية للام بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة والاشكالات المتعلقة بها  

السيد محمد الشركي رئيس مصلحة كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية

أما المداخلة الثالثة من الجلسة الثانية فقد كانت تحت عنوان " الولاية الشرعية للأم بين الفقه الإسلامي ومدونة الأسرة والإشكالات المتعلقة بها " ألقاها السيد محمد الشركي رئيس مصلحة كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية.

وقبل المداخلة أكدت رئيسة الجلسة الأستاذة لالة هشوم علوي عمري ، الاعتراف للأم بحقها في الولاية أسوة بالأب وصياغته في النص القانوني الأسري ، عد في طليعة المكتسبات المقررة لصالح المرأة التزاما بمبدأ المساواة والمشاركة ، لا المغالبة، وجعل الأسرة تحت مسؤولية ورعاية الزوجين معا.

بعدها جاء في مداخلة السيد الشركي التالي:

قبل أن نبدأ هذه المداخلة لابد أن أذكر بيتا شعريا ، وهو  البيت الذي أورده السيد الوكيل العام للملك بهذه المحكمة في معرض مداخلته القيمة وهو لحافظ إبراهيم " الأم مدرسة اذا أعددتها، أعددت شعبا طيبا الأعراق" كما تعلمون  فالشريعة الإسلامية ، اعتنت بالأسرة عناية كبيرة ورسمت لها الطريق السوي، حتى يدوم الصفاء وتستمر الألفة ، والمحبة  بين أفرادها ، وحتى يعيش الأبناء في حضن الأباء بعيدا عن  النكد والشحناء، كما أولت عناية كبيرة للفئة الضعيفة ، خاصة  القصر منهم، فوفرت لهم الحماية اللازمة لرعاية شؤونهم  ومصالحهم دون إلحاق أي ضرر، ولاشك أن النيابة الشرعية هي جزء مهم من هذه الحماية. فما مفهوم النيابة الشرعية؟

النيابة الشرعية نظام أقرته الشريعة الإسلامية ونظمته مدونة الأسرة، ويقصد بها سلطة أقرها الشرع والقانون لفائدة شخص يطلق عليه اسم النائب الشرعي على أنفس   وأصول أشخاص بسبب قصورهم في أهليتهم أو لظرف حال دون تدبير شؤونهم ، والقيام عليها بأنفسهم، فيقع على عاتق النائب الشرعي بموجب هذه السلطة ما يلي:

أولها واجب الرعاية والحفاظ على الأشخاص الخاضعين لنظام النيابة الشرعية، و ثانيها التصرف في أموالهم وإدارتها حفظا وتنمية واستثمارا ... والنيابة الشرعية حسب المادة 229 من مدونة الأسرة إما ولاية ، أو وصاية أو تقديم ..والمقصود بالناي بالشرع حسب المادة 230 من مدونة الأسرة، أولها هو الولي وهو الأب وألام و القاضي ، ثانيها الوصي وهو وصي الأب أوصي الأم ثالثها المقدم ، وهو الذي يعينه القضاء .. إذا أطراف النيابة الشرعية كما ترون، هناك النائب الشرعي ويقصد به كما سبق الولي الوصي والمقدم . والولي ينحصر في الأم والأب والقاضي ، ثم الطرف الثاني في النيابة الشرعية – على المحجور- وقد يكون إما ناقص الأهلية أو سنه  يتجاوز أكثر من 12 سنة أو سفيها لا يحسن التدبير في أمواله، أو معتوها . مع قرب المعنى ونختار منها ما يلي : الأحلاف في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع هي تنفيذ القول على الغير ، وفي البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم هي تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى، وفي الفقه المالكي الميسر- لوهبة الزحيلي- القدرة على مباشرة التصرف من غير توقف على إجازة .وخلاصة القول أن هذه التعريفات تتفق في المعنى رغم اختلافها في الألفاظ، وعرفها الفقهاء المحدثون في ما يلي : الولاية هي الرعاية الواجبة المسئولة للطفل في نفسه وفي ماله .كما عرفها القانون الفرنسي في"la tutelle-
Ce mots désigne l’ensemble des vision constitué par le code civile pour assurer l’assistance et représentation de certain catégorie de Person totalement au partiellement incapable d’agir conformément à  leur intérer

وحتى نقف على حقيقة الولاية ، لابد من بيان خصائصها أولها الرعاية وهي الغاية الأساسية من الولاية، ثانيها السلطة وهي السلطة التي يباشرها الولي على المولى عليه  ثالثها مسؤولية الولي على من في ولايته، رابعا نيابة الولي على من هو في ولايته، خامسها آن النيابة الشرعية تعتبر من الحقوق التي لا تقبل الإسقاط، لان الشارع اعتبرها وصفا ذاتيا .وأقسام الولاية تنقسم إلى عدة أقسام فالولاية باعتبار قوة الولي إما ولاية قاصرة أو متعددة فالقاصرة هي ولاية الشخص على نفسه وعلى ماله والمتعددة هي ولاية الشخص على غيره، وهذه بدورها تنقسم إلى ولاية عامة وخاصة.

وأقسام الولاية باعتبار موضوعها تنقسم إلى ولاية على النفس وولاية على المال ، فما هو موقع الأم من هذه الأقسام ؟ في الفقه الإسلامي، اجمع الفقهاء بأنه لا ولية للأم على غيرها في النكاح، فعن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزوج المرأة  المرأة ولا تزوج المرأة نفسها لابن ماجة في صحيحه" رقم الحديث 1909.

في مدونة الأسرة جاء في المادة 25 ما يلي " للراشدة أن تعقد زواجها بنفسها، او تفوض ذلك لأبيها أو احد أقاربها " بالرجوع إلى فصول المدونة لم نجد أنها نصت في موادها مثل ما نصت عليه في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة في ترتيب الأولياء ففي الفصل 11 من المدونة الملغاة " الولي في الزواج هو الابن ثم الأب أو الوصي إلى غير ذلك " بشرط أن يكون ذكرا عاقلا بالغا، واعتمدت في ذلك مذهب الإمام مالك في ترتيب الأولياء.

وما دامت مدونة الأسرة لم تنص على شروط الولي في الزواج فإن الحكم الواجب التطبيق هو ما ذهبت إليه المادة 400 من مدونة الأسرة، وكل ما لم يرد في هذه المدونة يرجى العودة إلى المذهب المالكي والاجماع الذي يراعى فيه قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف، وبذلك فالأم ليست وليا في الزواج.

أما موقع الأم في ولاية المال ففي الفقه الإسلامي يرى الفقهاء كما سبق أن الولاية الشرعية للذكور دون النساء مصدقا لقوله تعالى " .. اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " سورة النساء الآية 6 . ولم نجد في الفقه ان الأم محتاجة إلى ولاية على أولادها بل تلقائيا بمجرد موت أبيهم غير الحاجة إلى وصاية أو تقديم.

أما في مدونة الأسرة الأم أصبحت وليا منذ التغيير الذي ادخل على الفصل 148 من مدونة الأحوال الشخصية الملقاة بمقتضى الظهير الصادر بتاريخ 10 شتنبر 1993 وبمقتضى المادة 137 من مدونة الأسرة، فأصبحت الأم وليا بقوة القانون . فالرقابة القضائية على تصرفات الأم في أموال أبنائها القاصرين، فالرقابة قد تكون قبلية وقد تكون بعدية، فلا راقبة قبلية للام في التصرف في أموال أولادها القاصرين ، أما الرقابة البعدية فإذا تعدت قيمة الأموال 200الف درهم فإن الرقابة واجبة وبذلك، فإن قاض شؤون القاصرين يفتح ملف في النيابة الشرعية ، بطلب من الولي. اما الإشكالات المتعلقة بالأم على أولادها القاصرين هناك صعوبة واقعة في نظر البعض تعتبر مشاركة الأم في الولاية للأب نقصا للقيمة والتسوية فيما لا يجوز التسوية فيه. وعن واقع هذا التشريع هذا التشريع الذي افرز عدة صعوبات واقعية. وعدم احتواء القاعدة القانونية النص المكتسب على جزاء رادع حال المخالفة، وهذه العوامل كفيلة في جعل ولاية الأم بعدد الشكلايات التي تبقى حبيسة النصوص هذا كله جعل بعض الإدارات العامة والخاصة بالمغرب أو في الخارج لا تعترف بولاية الأم وبقوة القانون وتشترط صدور حكم تقريري. أما الإشكاليات القضائية أفرزت المطالبات في بعض المحاكم وهي المطالب بأحكام تقريرية في موضوع الولاية، وتكون دائما حليفة الرفض.

وجود الأم غير الراشدة مع الوصي، وهذا يطرح عدة إشكالات هل تنتهي الوصاية بمجرد بلوغ ألام سن الرشد أم لا ؟ وجود الأولاد من زوجتين وإحداهما غير راشدة ، هل تتولى الراشدة ولاية جميع الأولاد رغم أنها ليست أما للجميع؟

الاعتراف للام المتزوجة بأجنبي عن أولادها ضرر بالنسبة لأولادها المحجورين المتوفى والدهم.

إشكالية عدم المساواة بين ولاية الأب وولاية الأم، فولاية الأب محمولة على السداد في الشق المالي وإدارة التصرف بحكم التمرس خلافا لولاية الأم.

ولاية الأم متوقفة على شرطين وهما الرشد وعدم وجود الأب المسلم الراشد .. وولاية الأب هي ولاية أصلية أما ولاية ألام فهي ولاية بديلة واحتياطية ... وأنهى مداخلته بشريط لطفل كان من الفروض غبائه في نظر مدرسه ومدرسته فسلم إلى أمه فأنتجت منه عبقريا هو طوماس ماديسون.

المداخلة الرابعة حول التوجهات المدنية  في مدونة الأسر ووتأثيرها على الجانب الاسري

السيد محمد مهداوي العدل والباحث بسلك الدكتوراه في الدراسات القانونية والسياسية بالدائرة الاستئنافية بالرشيدية

أما المداخلة الأخيرة فكانت تحت عنوان " التوجهات المدنية في مدونة الأسرة، وتأثيرها على الجانب الأسري وألقاها العدل والباحث بسلك الدكتوراه في الدراسات القانونية والسياسية بالدائرة الاستئنافية بالرشيدية ، السيد محمد مهداوي.

وقبلها أكدت رئيسة الجلسة الثانية الأستاذة لالة هشوم على خلاصة بسيطة على هامش هاته المداخلة، أن المشرع المغربي انفتح في مدونة الأسرة على قانون الالتزامات والعقود، عندما ادخل قوانين ومقتضيات على مدونة الأسرة علما أن هذه الأخيرة مؤسسة على قواعد الفقه الإسلامي وخصوصا المذهب المالكي . وقد جاء في مداخلة الأستاذ محمد مهداوي ما مفاده فبعد البسملة و (ص)، أكد أن هذا الموضوع يندرج في السياق العام، هاته الأخيرة التي تميزت بعدت خصائص إن على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون، لعل أهمها طابع الحداثة والتضامن والصبغة الاجتماعية، ومحاولة تحقيق الديمقراطية والمساواة داخل الأسرة ، وهو ما يحيلنا إلى الإطار الخاص لهذه المداخلة المعنونة بتوجهات مدينة لمدونة الأسرة ، وانعكاساتها على الاستقرار الأسري، فالطبيعة الفقهية نسبة إلى الفقه الإسلامي باعتباره المصدر الرئيسي بها أو لمقتضياتها أو لفلسفتها، تجعلها لاسيما في جانبها المدني، تحمل بين طياتها بعض البنود التي لا يزال مجتمعنا المغربي لم يبلغ تلك الدرجة من التطور، لاستيعابها، والعمل بها كما أن الطابع المدني لكثير من أحكامها على صعيد الزواج أو على صعيد الطلاق أو أبواب أخرى يعتبر منالا واضح للتباعد والتنافر بين هذه المدونة والواقع المغربي، هذا فضلا عن صعوبة تطبيق الأحكام المدنية وقواعد القانون المدني على مدونة الأسرة بالنظر إلى خصوصياتها   الفقهية.

وقد أكد المحاضر على الطابع المدني لمدونة الأسرة كتعديلات سنة 2004 والمادة 6 من الإعلان العالمي وتطبيق الاتفاقيات الدولية، وموائمتها مع القوانين الخاصة بالمملكة، واتفاقية سان جرمان والحماية القنصلية واستثناء فئة من الأجانب من الفقه الإسلامي، ونصوص مواد قانون الالتزامات والعقود لسنة 1913 وخاصة المادة 870، مستغنيا عن  التشريع الإسلامي في مدونة الأسرة والتي تظهر توجها مدنيا تميل إلى الاتفاقيات الدولية، وخاصة المادة 216 تميل إلى الاتفاقيات الدولية ، وهنا يؤكد المتدخل تراجعا في الفقه الإسلامي بخصوص المدونة باستثناء المادة 400 كمادة وحيدة من مصدر الفقه المالكي وبالتالي إصدار الأحكام بمصادر مدنية وجعل المصادر الإسلامية مصادرا احتياطية.

اقتراح التوصيات وصياغتها

فبعد ذلك فتح باب المناقشة وصياغة التوصيات والتي جاء في بعضها داخل القاعة ما يلي:
•    إلغاء  الطلاق بصفة منفردة
•    جعل النيابة العامة طرف أصلي في كل ما يتعلق بمدونة الأسرة.
•    ضرورة صياغة المادة 53 من مدونة الأسرة بما يضمن الحماية الفعلية للمرأة.
•    ضرورة إعادة صياغة المادة 145 والتي لا علاقة لها بالواقع في ابن شرعي رغم عدم شرعية الزواج، لضمان حق الابن في شرعية بنوة أبيه .
•    تبسيط المساطر الخاصة بالمرأة
•    إعادة المرأة لبيت الزوجية أصبح متجاوزا
•    وجود في المادة 156 ما ينافي سلطة المشرع بخصوص القاصر والقاصرة والزوج والزوجة.
•     خصوصية المادة 128 من مدونة الأسرة.
•    اتخاذ الحيطة والحذر في المقاربة القانونية وحدها لأنها لا تكفي بدليل انه في سنة 2013 سجل 40 ألف طلاق وفي سنة 2017 سجل 10 ألف طلاق .
•    وجوب تجديد الاجتهاد الإسلامي في هذا الباب
•    إعادة صياغة المواد 430 و 128 من المدونة برفع المعاناة على الجالية لان المادة 128 ساهمت في القطيعة بين القضاء المغربي والدولي ومقاربة الملائمة سمحت بالتكييف الإيجابي
•    ضرورة القطع مع المناشر والدوريات في حضور تشريعات حفاظا على مبدأ التراتبية في اختصاص السلطة التشريعية .
•    انفتاح المغرب على باقي المذاهب وخاصة مذهب أبو حنيفة في المادة 25.
•    ضرورة إلغاء مجموعة من المواد كالمادة 67 والمادة 190 وفي آجال 6 أشهر، وفي اللجوء التلقائي للطلاق، والوكالة في مسطرة الطلاق والتطليق ( 2013/941).
•    وقف سريان نزاع الخاطب حول ثبوت النسب باللجوء التلقائي إلى الخبرة البيولوجية وحتى في حالة الوفاة، وفي حالة اختفاء الخاطب اللجوء إلى الشهود .

الحفل التكريمي للفعاليات النسائية وللاستاذة حسناء اليازيدي والدكتور عبد اللطيف الانصاري وكلمة السيد رئيس محكمة الاستئناف في حقه

وفي الختام تم تكريم مجموعة من الفعاليات النسائية بهذه الدائرة القضائية كما تم تكريم رئيس المحكمة الابتدائية بتنغير الأستاذ الانصاري عبد اللطيف، والمستشارة حسناء اليازيدي كمستشارة وحيدة بالقضاء الاستئنافي.

ففي بداية هذا التكريم تقدم السيد الرئيس الأول لدى محكمة الاستئناف بالرشيدية بكلمة شكر في حق الأستاذ الأنصاري جاء فيها "بعد البسملة ، في الحقيقة هذه الكلمة ليست لوحدي، بل كلمة اللجنة العلمية من سادة مستشارين والسيد الوكيل العام للملك، والسادة نواب الوكيل العام والسادة قضاة المحكمة الابتدائية في حق الأستاذ الانصاري، والتي حررها الأستاذ محمد سرحان – إنه لمن دواعي صرورنا اغتباطنا جميعا، أن نكون معكم وبينكم في يوم الوفاء والعرفان هذا (لا تبكي الأستاذ الأنصاري، يجب أن تكون فرحا في هته اللحظة مخاطبا السيد الرئيس الأول الأستاذ الأنصاري بعدما أجهش بالبكاء من حرارة اللحظة ) في يوم العرفان هذا الذي ارتأت فيه محكمة الاستئناف بالرشيدية.

الاحتفاء برجل من رجالات القضاء ومن أعلامه والذي لم يكن قاضيا فحسب، إنما كان معلمة ورمزا من رموز العدالة، لان بصماته سكنت المحاكم التي اشتغل بها، ألى وهو الدكتور والأستاذ عبد اللطيف الأنصاري الذي نال ثقة جلالة الملك نصره الله وأيده، ونصبه رئيسا للمحكمة الابتدائية بتنغير، بناءا على اقتراح من المجلس الأعلى للسلطة القضائية في دورة يناير 2018.

إننا إذ نكرم اليوم الزميل عبد اللطيف الأنصاري ، والذي له في قلوبنا كل المحبة والتقدير فإنما نتمنى أن يتقبل منا هذه  المبادرة البسيطة والتي تنم عن عرفان واعتراف بما أسداه للعدالة بهذه الأرض الطيبة مهد الدولة العلوية الشريفة كما لا يفوتنا أن نجدد متمنياتنا بالتوفيق والسداد في منصبه الجديد كرئيس للمحكمة الابتدائية بتنغير، ونسأل الله عز وجل أن يكلل جهوده بالسعي المشكور والذنب المغفور والأجر والثواب منه سبحانه وتعالى وشكرا للجميع" بعدها تم تكريم الفعاليات النسائية بهذه الدائرة القضائية وعلى رأسهم المستشارة حسناء اليازيدي، وكذا كل من السيدات : جميلة البحياني – عزيزة برحاوي – فاطمة رزوقي – فاطمة حدو – حياة البوشيخي – لالى هشومة عمري – لالة عائشة لمهدي – فاكمة الخو- ربحة عمينو- حفيظة بودارين- فاطمة ايكن- امينة البركة- ربيعة اوتلا – فاطمة راجي – عراش فاطمة  - فاطمة هلالي – عائشة مروي- خديجة ملياني – كنزة باديدي – عزيزة عباسي- حسناء او موعوش- خديجة حميدي واخريات".

وبذلك اقفل حفل تخليد ذكرى اليوم العالمي للمرأة بمحكمة الاستئناف بالرشيدية بعد حفل شاي.

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية