الثقوب السوداء بين القرآن والعلم
هبة زووم - ليلى البصري

لم يكن أحد على وجه الأرض يتصور أن في السماء نجوماً تجري و تكنسُ و تجذب إليها كل ما تصادفه في طريقها… و لم يكن أحد يتوقع و جود هذه النجوم مع العلم أنها لا تُرى أبداً، و لكن القرآن العظيم حدثنا عنها بدقة علمية مذهلة، حقيقة كونية تكمن فيها آية عظيمة تشهد على قدرة الخالق في كونه، و تشهد على أن القرآن كتاب الله تعالى وليس كتاب بشر، كما يُزعم الكفار و الملاحدة… يقول تعالى عن كتابه المجيد: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]. كما يقول: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)} فصلت

يقول الحق سبحانه في سورة التكوير:

{ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) } التكوير

فما هي هذه الأشياء العظيمة التي أقسم الله بها (مع العلم أن الله لا يقسم إلا بشيء عظيم)؟

و ما معنى خنس، و جوار و كنّس؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال، دعنا نتحدث قليلا عن اكتشافات العلماء الأخيرة، لاحظ أنهم ومنذ أكثر من ربع قرن تقريباً يتحدثون عن وجود مخلوقات غريبة في الفضاء لا تُرى، تجري بسرعة هائلة و تكنس و تبتلع كل ما تصادفه في طريقها أطلقوا عليها اسم الثقوب السوداء، و اعتبروها من أعظم الظواهر الكونية!

فماذا يقول العلماء حول هذا الاكتشاف؟

الثقب الأسود Black Holes كما يعرّفه علماء و كالة ناسا هو منطقة من المكان ضُغطت بشكل كبير فتجمعت فيها المادة بكثافة عالية جداً بشكل يمنع أي شيء من مغادرتها، حتى أشعة الضوء لا تستطيع الهروب من هذه المنطقة.

ويتشكل الثقب الأسود عندما يبدأ أحد النجوم الكبيرة بالانهيار على نفسه نتيجة نفاد وقوده، و مع أن الثقب الأسود لا يُرى إلا أنه يمارس جاذبية فائقة على الأجسام من حوله.

بداية الإكتشاف

منذ عام 1790 اقترح الانكليزي جون ميشيل والفرنسي بيير سايمون وجود نجوم مخفية في السماء، ثم في عام 1915 توقعت نظرية النسبية العامة لآينشتاين وجود هذه الأجسام في الفضاء و أثرها على الزمان و المكان، و أخيراً و في عام 1967 تحدث الأمريكي جون ولير عن الثقوب السوداء كنتيجة لانهيار النجوم. أما في عام 1994 فقد أثبت العلماء بواسطة مرصد هابل وجود جسم غير مرئي في مركز المجرة M87 و يلتف حوله الغاز في دوامة واضحة، و قد قدروا وزن هذا الجسم بثلاثة آلاف مليون ضعف وزن الشمس! ثم توالت الأدلة على وجود هذه الأجسام بواسطة الأشعة السينية.

إن أي نجم يبلغ وزنه عشرين ضعف وزن شمسنا يمكنه في نهاية حياته أن يتحول إلى ثقب أسود، و ذلك بسبب حقل الجاذبية الكبير و بسبب كتلته الكبيرة. ولكن النجم إذا كان صغيراً و نفد وقوده فإن قوة الجاذبية و بسبب كتلته الصغيرة و غير الكافية لضغطه حتى يتحول إلى ثقب أسود، في هذه الحالة يتحول إلى قزم أبيض white dwarf أي نجم ميت.

و يتميز الثقب الأسود بجاذبية فائقة، لذلك فإن أي غاز قريب منه سينجذب إليه و يدور في دوامه عنيفة مولداً حرارة عالية نتيجة هذا الدوران مثل الإعصار السريع، هذه الحرارة تبث الأشعة السينية باستمرار، و هذه الأشعة يمكن للفلكيين التقاطها بسهولة بواسطة أجهزتهم، لذلك يعلمون بأن هذه المنطقة تحوي ثقباً أسود.

لماذا لا تُرى؟

إن سرعة الهروب هي السرعة اللازمة للجسم لكي ينفلت من حقل الجاذبية المحيط به، وفي أرضنا نجد أن أي جسم حتى يتمكن من الخروج من نطاق الجاذبية الأرضية يجب أن يُقذف بسرعة أكبر من 11.2 كيلو متراً في الثانية الواحدة. و في حالة الثقب الأسود تكون سرعة الهروب عالية جداً و لا يمكن لأي جسم تحقيقها، حتى الضوء الذي يتحرك بسرعة 300 ألف كيلو متر في الثانية لا يستطيع الهروب من جاذبية الثقب الأسود لأن سرعته غير كافيه لذلك!!

و هذا ما يجعل الثقب الأسودمظلما، مختفياً لا يُرى.

ولكي نتخيل عظمة هذه المخلوقات فإن أحد العلماء أجرى قياساً لوزن الثقب الأسود فوجد أن ملعقة من الشاي لو قمنا بأخذ حفنة قليلة من هذا الثقب الأسود بحجم ملعقة الشاي سيكون وزنها أكثر من أربع مئة ألف مليون طن ، كذلك وجد العلماء ثقوباً سوداء كتلتها أكبر بعشرة آلاف مرة من كتلة الشمس، وقد تصل كتلة الثقب الأسود إلى أكثر من ألف مليون كتلة الشمس!

(حتى يتحول النجم إلى ثقب أسود في نهاية حياته يجب أن يتمتع بكتلة كبيرة، فالشمس مثلاً في نهاية حياتها سوف تستهلك وقودها النووي وتنطفئ بهدوء، ولن تتحول إلى ثقب أسود لأن وزنها غير كاف لذلك. وربما نجد في كتاب الله تعالى إشارة لطيفة إلى هذا التحول في قوله تعالى: (إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) [التكوير: 1]. إذن ليس هنالك أي انهيار للشمس إنما انطفاء بطيء، وهذا ما عبّر عنه القرآن بكلمة (كُوِّرَتْ). ففي القاموس المحيط نجد كلمة (كوَّر) أي أدخل بعضه في بعض، وهذا ما سيحدث للشمس حيث تتداخل مادتها بعضها في بعض حتى تستهلك وقودها وتنطفئ).

القرآن يتحدث عن الثقوب السوداء بوضوح

يقول الدكتور عبد الدايم الكحيل:

يخبرنا علماء الغرب اليوم حقيقة علمية و هي أن الثقوب السوداء لا ترى وهي تسير و تجري و تكنس كل ما تصادفه في طريقها، وقد جاء في إحدى الدراسات حديثاً عن الثقوب السوداء ما نصه:

It creates an immense gravitational pull not unlike an invisible cosmic vacuum cleaner. As it moves, it sucks in all matter in its way — not even light can escape.

وهذا يعني:

إنها - أي الثقوب السوداء – تخلق قوة جاذبية هائلة تعمل مثل مكنسة كونية لا تُرى، عندما تتحرك تبتلع كل ما تصادفه في طريقها، حتى الضوء لا يستطيع الهروب منها.

وفي هذه الجملة نجد أن الكاتب اختصر حقيقة هذه الثقوب في ثلاثة أشياء:

1- هذه الأجسام لا تُرى: invisible

2- جاذبيتها فائقة تعمل مثل المكنسة: vacuum cleaner

3- تسير وتتحرك باستمرار: moves

وربما نعجب إذا علمنا أن هذا النص المنشور في عام 2006 قد جاء بشكل أكثر بلاغة ووضوحاً في كتاب الله منذ القرن السابع الميلادي!!! فقد اختصر القرآن كل ما قاله العلماء عن الثقوب السوداء بثلاث كلمات فقط!! يقول تعالى: { فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) } التكوير

ونحن في هذا النص أمام ثلاث حقائق عن مخلوقات أقسم الله بها و هي:

1- الْخُنَّسِ : أي التي تختفي ولا تُرى أبداً، وقد سمِّي الشيطان بالخناس لأنه لا يُرى من قبل بني آدم. وهذا ما يعبر عنه العلماء بكلمة invisible أي غير مرئي.

 2- الْجَوَارِ: أي التي تجري وتتحرك بسرعات كبيرة. وهذا ما يعبر عنه العلماء بكلمة move أي تتحرك.

3- الْكُنَّسِ: أي التي تكنس وتبتلع كل ما تصادفه في طريقها. وهذا ما يعبر عنه العلماء بكلمة vacuum cleaner أي مكنسة.
 

 

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية