أخبار الساعة


درعة تافيلالت.. أساليب العمال و الولاة في تدبير شؤون الناس بأفقر جهة بالمغرب

المختار العيرج ـ الرشيدية
ردد الملك الحسن الثاني رحمه الله في بعض خطبه قولة أحد المفكرين الفرنسيين: "الأسلوب هو الشخص Le style c'est l'homme"، فلكل شخص أسلوب في الحياة يميزه عن الآخر، و هذه الخصوصية في "الأسلوب" قد تتواتر لتتماهى مع الشخص، بل قد يصير الأسلوب هو الشخص.

و يتجلى ذلك بوضوح في بعض الولاة و العمال المتعاقبين على الرشيدية، فلكل مسؤول منهجيته و طريقته في تدبير الشأن العام، فعرفة ظل المواطن يتذكره بأسلوبه المركز على الفلاحة: الخطارات و السواقي و التجارب على الأرض، و المذكوري كان أكثرهم اشتغالا في الميدان، ظل يتابع ما ينجز على الأرض و في عهده شيدت قاعة فلسطين و شهد ثمن المتر المربع قفزة لا عهد للرشيدية بها، اذ تم تفويت المساكن الملاصقة للحي الصناعي و المطلة على شارع محمد السادس بما يفوق 3000 درهم للمتر المربع و هو ما اعتبر آنذاك سعرا قياسيا لا عهد للرشيدية به.

و أما ولد موما فكان المسؤول الذي أدرك بأن جزء من العراقيل في البلاد يكمن في طبيعة النخب الماسكة بزمام الشأن العام، فسعى في حدود معينة إلى إحداث خلخلة في بناها، ففي عهده انسحب الرئيس مخلوف من الساحة بعد قرابة 30 سنة من الهيمنة المطلقة على مجلس جماعة الرشيدية، و رافق ذلك حرص على التحكم في زمام الأمور لاسيما و أن المعارضة أنذاك كانت مشكلة من تحالف يجمع بين حزبي الإتحاد الإشتراكي والعدالة والتنمية، فنجح في إدماج العدالة و التنمية مع نائب الرئيس السابق الذي أوكل له أمر قيادة السفينة، وهي تجربة تفككت أغلبيتها بسرعة و عكست غياب التجربة السياسية للنخبة الناشئة، فلم يستسغ (بضم أوله و فتح ما قبل آخره) أن تتوج نضالها و اعتصامها الطويل ضد الرئيس ابراهيم مخلوف بالإنخراط في أغلبية نائبه الأول!

و تميز كذلك عهد هذا المسؤول الإقليمي بالسعي إلى كبح جماح "الأرستقراطية الإقليمة " إن جاز المعنى، فدخل في صراع مع بعض البرلمانيين، و كان الأول الذي فتح باب الإستثمار في أراضي الجموع في وجه العاطلين والطبقة المتوسطة.

و تلاه مباشرة الداودي، و كان رجلا تقيا، نسيج وحده، اهتم بجمالية المكان والتواضع، و ساعدته ثقافته الدينية و أصوله العائلية في تسيير الشؤون العامة للناس بسلاسة واضحة، و خلفت فترته القصيرة التي لم تتجاوز سنة واحدة ارتياحا في نفوس المواطنين، بفضل أسلوبه الذي تساوق مع مد ملحوظ لخطاب يمتح من مرجعية أصولية، لكن مرحلته لم تخلف شيئا يذكر .. سوى أسلوبه المتميز الذي انصهر مع شخصه، فصار هو الرجل بالفعل.

و تعاقب بعده عدد من العمال و الولاة، و كانوا مدبرين للشأن العام من "أبراجهم العاجية" و بعضهم لا تكاد الذاكرة تحتفظ بصورهم، و لم يحدث في عهدهم أي شيئا ذا قيمة، بل كان بعضهم رجال إطفاء، يقضون على الحريق في مهده، يتعاملون مع مختلف الفرقاء بأسلوب متشابه، ظاهره "الإنضباط للتوجيهات و التعليمات" و كنهه النأي بالذات عن "أوجاع الرأس"، لاسيما و أن الكثير منهم كانوا على بعد شهور من التقاعد، فترسخ في أذهان الناس أن الرشيدية هي منطقة تأديب أو في أحسن الأحوال هي حديقة خلفية للراحة و إنهاء المشوار بسلام.

و تم تعيين يحضيه بوشعاب في ظروف دقيقة، صار فيها حزب العدالة و التنمية يسيطر على نسبة هامة من جماعات الإقليم، سيطرة لا تعني بأي شكل من الأشكال أن مرجعية الناخبين تتقاطع مع مرجعية الحزب، فغالبية المصوتين لا علاقة لها بالإسلام السياسي بل كان منح أصواتها لنخبة شابة تنشد التغيير و مقاومة الفساد.

ففي الرشيدية لم تتبدل النخبة بشكل واضح سوى مع هذا الحزب، إذ سيتم لأول مرة قهر المال و دحرجته من قبل منتخبين لا يملكون منه إلا ما يسد رمقهم، كما وظفوا كذلك الظلم الإجتماعي المنبثق من اللون و العرق لحشد نسبة هامة من المؤيدين، ففي الإقليم بصفة عامة لم يكن الباب مفتوحا أمام المنحدرين من أصول إفريقية لتبوء مناصب التمثيل المحلي والجهوي و الوطني، وهو ما تم مع حزب العدالة و التنمية الذي يعد أغلب منتخبيه من هذه الفئة...

و يرجع الفضل في ذلك إلى رئيس الجهة الذي يعتبر مهندس المسار، فهو وافد على الرشيدية من منطقة لا توجد بها حساسيات من هذا القبيل و يبدو أنه فطن لمردوديته السياسية في غفلة من الجميع، و كانت لذلك ردود أفعال إذ ستشعر الفئات الأخرى بظلم جديد تجلى في تهميشها و استثارتها حتى، و اتضح ذلك في الدورات حيث ساد التعالي و شكل جديد من "الحكرة "، فمارس الرؤساء، اعتمادا على قوانين داخلية الضغط النفسي و القهر المعنوي الذي غالبا ما يغلف بمرجعيات سياسية و تخفى الخلفيات الأخرى...

 في ظل هذه الأجواء سيحل يحضيه بوشعاب بالرشيدية و يرافقه أسلوبه الخاص، فبعد أسابيع فقط من تدبيره للشأن العام، ستتحرك البرك الساكنة، و كأن أحجارا كبيرة ألقيت داخلها، ففي الدورة الثانية التي حضرها بمجلس جهة درعة تافيلالت تتحلل الأغلبية، كقطع السكر في الماء، و يلتحق النائب الأول بفريقه الذي ظل على طرفي نقيض معه، و هو من يسر وصول الحبيب الشوباني لرئاسة الجهة، و هو كذلك من يحسم بشكل كبير في مصير الموالاة بالمجلس، و حدث انقلاب على الرئيس كذلك من قبل مستشاري حزب التقدم و الإشتراكية، و الحركة في الطريق...

كما وجه الوالي عامل إقليم الرشيدية رسالة استفسار لرئيس مجلس جماعة الرشيدية في شأن سماحه بمبيت أزيد من 120 تلميذ داخل مقرات الجماعة يوم 30 يونيو المنصرم ... ليتضح بالواضح أن أسلوب الشخص هو التعامل بصرامة مع مختلف التيارات، لا فرق بين حزب قوي كبير و حزب نووي ضعيف.

زمرارا تابع الرأي العام كيف تهيمن بعض الأحزاب على الشأن العام و تسن قوانين داخلية مجحفة في حق الأقلية، التي ظلت تستنجد بسلطة الوصاية، لكنها كانت تفضل صم الأذان، و التعامل  بحياد سلبي غير مفهوم، فهل سيكون عهد يحضيه بوشعاب عهد القطع مع ممارسات سلطوية خلفت في نفوس الفرقاء الإعتقاد بأن هيمنة البعض هي قضاء و قدر وضعت تحت رحمته الأقلية و السلطة كذلك ..

و هل سيتغير ما ترسخ في الأذهان من أن الرشيدية هي منطقة تأديب أو في أحسن الأحوال حديقة خلفية للراحة و إنهاء المشوار الإداري بسلام.

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية