24 ساعة

كاريكاتير اليوم

النشرة البريدية

أقلام حرة

الرئيسية | أقلام حرة | الرِدّة اللغوية

الرِدّة اللغوية

ما يعيشه الحقل التعليمي من تحولات متسارعة لا يمكنه أن يخفي بعض الحقائق التي يراد تمريرها في خضم إجراءات التلميع و الإعفاءات المتلاحقة، والقرارات الانفرادية، ففي الوقت الذي كان الجميع ينتظر تغييرا جوهريا في القطاع بعد نهاية ولاية الوزير المفرنس رشيد بلمختار الذي جيء به كرسالة طمأنة إلى قصر الإليزيه تحمي مصالحه الثقافية وتعزز هيمنة لغته على المشهد التعليمي على عهد الحكومة الإسلامية، ترسخ هذا السلوك اللغوي لدى الدولة أكثر بعد تعيين الوزير حصاد الذي أكد نفس المنحى بشكل عملي في مخالفة صريحة حتى لما تم التنصيص عليه في ما يسمى بالرؤية الاستراتيجية 2015-2030، وفي إطار التدابير ذات الأولوية التي تنص على تخصيص السنوات الأربع الأولى من التعليم لتعلم المعارف الأساسية في اللغة العربية، فبجرة قلم ألغى السيد الوزير هذا التوجه الذي خرج للوجود بعد مجموعة من اللقاءات والمشاورات التي عقدت على مختلف المستويات والأصعدة، و قرر تدريس اللغة الفرنسية منذ السنة الأولى ابتدائي، ليبقى السؤال هنا هو: ما فائدة كل ما صرف من إمكانات مادية ولوجستيكية لرسم معالم خارطة طريق بدأت ملامحها تتشوه حتى قبل أن يشرع في تنزيلها؟ وما قول المجلس الأعلى للتربية والتكوين في هذا القرار وغيره، هل اقتصرت وظيفته على استنزاف جيوب المواطنين واقتسام التعويضات مقابل التأشير على القرارات أو إغضاء الطرف عنها؟

أما الضربة الثانية التي أقدم عليها الوزير وبدون ضجة فهي تعميم الباكلوريا الدولية في المسالك العلمية، وكلمة الدولية تعني – في السياق التعليمي والإعلامي المغربي- اللغة الفرنسية، بحيث أصبحت المواد العلمية تدرس بلغة موليير رغم أن الرؤية الاستراتيجية تنص على تعليم بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد باللغة الفرنسية، وليس الكل في الكل، ليتم إجهاض الحلم بتعريب التعليم العالي، والعودة بعقارب الساعة إلى مطالب: التعريب والمغربة والتعميم والمجانية.

ومما يثير الاستغراب أن هذه القرارات الانفرادية التي تحدد مصير أجيال وترهن مستقبل أمة، تتم بدون مقدمات و لا حتى بالونات اختبار كما يحدث عادة في مثل هذه القضايا الحساسة لقياس رد فعل المجتمع، وهذا معطى خطير يكشف عن تحول اجتماعي دراماتيكي أبرز سماته عدم المبالاة أو اليأس من الإصلاح، كما أنه يؤسس لعلاقة سلطوية يراد تكريسها على غرار بعض القطاعات العسكرية طرفاها: الآمر والمنفذ، وذلك حتى يسهل احتواء هذا القطاع الذي ظل دائما يشكل حالة الاستثناء والتمرد، بالنظر أولا إلى حساسيته و طبيعة العاملين فيه، وهم نخبة البلد، وثانيا إلى المكتسبات التي راكمها على طول سنوات النضال النقابي.

لقد سبق للمجلس الأعلى للتربية و التكوين أن قدم مجموعة من المقترحات بشأن لغة التدريس و اللغات المدرسة، و على غرار كل المجالس المعينة فإن القرار يخضع للترضيات والمساومات بدل أن يكون إفرازا لرؤية مستقبلية واضحة تراعي المتغيرات وتستجيب للتطلعات و ليس ساحة للهواة لتجريب أعمالهم الرديئة. و قد تراوحت قراراته ما بين عيوش صاحب نظرية التدريج و التلهيج، و ما بين أصحاب التوجه الإسلامي دعاة التعريب، و ما بينهما من المتحمسين للغة الفرنسية أو اللغة الانجليزية ، و أفضى الجدال في النهاية إلى تنويع العرض اللغوي أمام التلميذ ما بين عربية و فرنسية وإنجليزية و إسبانية، لكن يبدو أن المساكين بالقرار لم يعجبهم هذا الحل ” الديمقراطي” فأجهزوا على اللغات المنافسة لإفساح المجال للغة عاصمة الأنوار. فمثل هذه الوفرة اللغوية و هذا التشظي اللغوي الذي لا ينافسنا فيه أحد من الشعوب المتقدمة يعد علامة على استبعاد مشروع مدرسة وطنية و لو على المدى البعيد تلعب دورها في إعداد أجيال مواطنة تؤمن بهويتها و تعتز بوطنها، عوض أن تتحول المدرسة إلى شبه ملحقات بالبعثات الأجنبية، تفرز مشاريع مرشدين سياحيين أعينهم دوما ترنو إلى ما خلف البحار.

أن تضخم الهاجس اللغوي لدى الماسكين بالقرار في المغرب، ليس من باب الغيرة على أبناء الوطن، و لا هو من باب الحرص على انفتاح المتعلم على العالم الخارجي من خلال بوابة باريس، بل هو سعي حثيث لتأبيد التبعية للمستعمر الفرنسي حرصا على مصالحهم و امتيازاتهم حتى لو أدى ذلك إلى خلق أجيال مشوهة لغويا تفكر بالعربية و تكتب بالفرنسية، إذ لو كان الأمر مرتبطا بالانفتاح على العالم لكان تدريس اللغة الإنجليزية وإقراراها منذ الابتدائي أولى وأجدى. كما يمكن فتح شعب تعلم اللغات الأجنبية في السلك الثانوي التأهيلي بشكل اختياري، عوض إرهاق المتعلم بأربع أو خمس لغات، و توجيه الجهود للنهوض باللغة العربية والأمازيغية، علما أن بناء الحضارات و تقدم الشعوب والأمم لا يتم إلا من خلال لغاتها و ليس من خلال لغات مستوردة، فبلغتها تفكر، وبلغتها تبدع.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي Hibazoom

تعليقات الزوّار

أترك تعليق

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

صوت وصورة

بالفيديو: هكذا احتفلت الجاليات العربية بسويسرا بتأهل الأسود لمونديال روسيا


مواطن من البروج يستنجد بالملك محمد السادس في قضيته بمحكمة سطات


انتظارات مغاربة سويسرا من مباراة المنتخب المغربي ضد فيلة الكوت ديفوار


هكذا رد “سعيد شباعتو” على “سعد الدين العثماني” بخصوص برنامج التعاقد مع الجهات الذي جاءت به حكومته


هذا ما قاله الطبيب بخصوص جرحا حادث إطلاق النار بمراكش!!


بالفيديو: بعد الاختناقات التي عرفتها المدينة… هكذا خرجت ساكنة آسفي للاحتجاج على بيان المجمع الشريف للفوسفاط!!


بالفيديو: هذا ما قاله العثماني عن المشاورات التي يقودها لتعيين وزراء جدد بعد الإعفاءات التي طالت أعضاء بحكومته


بالفيديو: هذا ما قاله وداديون وراجاويون بسويسرا حول نهائي الحلم الذي يجمع بين الوداد والأهلي المصري


كلمة سعد الدين العثماني في أول مجلس حكومي بعد الإعفاءات التي طالت مجموعة من وزراء حكومته


بالفيديو: هكذا استقبل رجال التعليم قرار الملك القاضي بإعفاء “محمد حصاد” وزير التعليم الحالي من مهامه


بالفيديو: شاهد انفجارات قوية لقنينات غاز وسط حي سكني بتنغير


بالفيديو: لحظة توقيف الخلية الإرهابية بفاس من طرف رجال الخيام


بالفيديو: ردود الجالية المغربية والعربية المقيمة بسويسرا بعد فوز المنتخب المغربي على نظيره الغابوني!!


بالفيديو: بعد انتقاده لقوى التحكم داخل الحزب… محمد الزهاري يقود خطا ثالثا وينجح في تأجيل مؤتمر حزب الاستقلال!!


بالفيديو: “ارحل .. ارحل” هكذا استقبل رجال التعليم وزير التعليم حصاد بتازة!!


مستثمر بالبروج يناشد الملك للتدخل من أجل انصافه بعد تعرضه للسرقة ويتساءل بمرارة عما حدث بمحكمة سطات!!