24 ساعة

كاريكاتير اليوم

النشرة البريدية

أقلام حرة

الرئيسية | أقلام حرة | سؤال وعي الدولة المغربية بتحديات ورهانات التحولات الدولية؟؟

سؤال وعي الدولة المغربية بتحديات ورهانات التحولات الدولية؟؟

في إطار تبادل الأفكار هنا وهناك مع بعض الفاعلين السياسيين وبعض الفعاليات الثقافية، غالبا ما يدور النقاش حول سؤالين أساسيين:

السؤال الأول: هل للمغرب نموذجا اقتصاديا في الأصل (تم تحديد محاوره بعد الاستقلال)، وتضافرت جهود الدولة لتطويره وتكييفه مع التطورات الوطنية والجهوية والدولية؟

السؤال الثاني: هل الدولة المغربية واعية كل الوعي بتحديات التحولات الكونية وبالرهانات المستقبلية ومتطلبات التطوير السياسي والاقتصادي والثقافي؟

بالطبع، سيسألني البعص في البداية، ما الدولة في المغرب؟، والجواب على هذا السؤال المحوري وقضاياه المتشعبة يتطلب عدة مقالات. ومع ذلك، يمكن أن نثير استخلاصا، أرى أنه أساسي في الوضع الراهن الذي يعيشه المغرب، استخلاص تبينه بجلاء تطورات الأحداث الوطنية المختلفة منذ الاستقلال، ومفاده أن محور الدولة هو القصر. ففي كل مراحل التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع المغربي، بإيجابياتها وسلبياتها، نجد أن المرور إلى مرحلة ظرفية جديدة معينة، تكون أحسن من سابقتها، وتضمن الاستقرار والاستمرارية، قادته دائما وتقوده الملكية. كما اتضح اليوم بجلاء أن البلاد في حاجة إلى تقوية الدور الملكي لتسريع وثيرة التقدم في مسار الانتقال الديمقراطي، والوصول بالسرعة، التي ينتظرها الشعب المغربي، إلى ديمقراطية المؤسسات وديمقراطية الدولة. إن البلاد تحتاج اليوم إلى توسيع قاعدة النخب الوطنية الكفئة والخبيرة والواعية، وتنصيبها بالشفافية اللازمة في مفاصل الدولة في مختلف المستويات الترابية، لتكون من مسؤولياتها الأساسية تبني قضايا الشباب بصدق وبتفان من خلال تحقيق التراكمات والمكتسبات التنموية (ليس بالريع والفساد). إن الحديث عن التدرج في هذا المجال، لم يعد يستحمل البطء، بل أصبح يفرض على الدولة حرق المراحل، للوصول بالسرعة القياسية إلى بر الأمان، بر الحسم النهائي في النموذجين الاقتصادي والسياسي للأمة المغربية تحت قيادة أمير المؤمنين في إطار منطق جديد لثورة الملك والشعب.

وعودة إلى السؤالين أعلاه، أستسمج القارئ لكوني أجد نفسي مضطرا لتأجيل الحديث عن النموذج الاقتصادي لبلادنا، لأكتفي في هذا المقال بالإجابة باقتضاب عن السؤال الثاني.

لنقولها بصراحة، لقد نجحت الدولة، بالرغم ما يعاب عليها من خلال ما يثار في شأن سنوات الجمر والرصاص، في اختبار تحقيق التعددية السياسية والقتفية والعدالة الاجتماعية ببلادنا. لقد صمدت، لوحدها تقريبا في المنطقة، أمام العواصف الإقليمية والجهوية والدولية أيام الحرب الباردة. لقد أصبح اليوم التعدد والتنوع السياسي والثقافي زادا تقتات منه إلى حد ما الخصوصية المغربية، زاد يحتاج بلا شك إلى مقومات جديدة لتقوية مناعة الدولة والمجتمع زمن التحولات الدولية الصعبة (تطورات العولمة منذ الإعلان عن النظام العالمي الجديد). كما نجحت الدولة، إلى حد ما كذلك، في تفنيد المشروعيات السياسية المستغلة لهشاشة الوضع التعليمي والوعي السياسي وهشاشة أسس بناء القناعات والمعتقدات داخل المجتمع. وهنا لا يمكن أن لا نلامس ابتعاد الشعب المغربي نسبيا عن الإغراءات المعروفة التي أثارها المرحوم محمد عابد الجابري المتحكمة في الانتداب الانتخابي وهي القبيلة والغنيمة والعقيدة. إنها الإغراءات الواهية التي حاصرت لعقود مضت قيمة الأفكار والبرامج عند النخب واعتمادها كأساس للاختيار الانتخابي، وتشكيل الفرق القيادية لمؤسسات الدولة في إطار اللامركزية وعدم التمركز.

من الناحية الاقتصادية، شكلت محطة 1998 منعطفا جديدا أرسى سمات جديدة للنموذج الاقتصادي المغربي بعيدا كل البعد عن المزايدات الإيديولوجية. إنه المنعطف الذي أوضح اليوم مدى وعي الدولة المغربية بتحديات المستقبل وسيناريوهات التقلبات في موازين القوى الدولية. لقد تراكمت التشريعات، وتطورت التجارب عبر الممارسة، وتم التعامل بحكمة مع تحول التجارة من طابعها الوطني إلى تجارة عالمية لا تطيق السياسات الحمائية (الانفتاح الاقتصادي). فبعد التشخيص الاقتصادي لسنة 1995، والذي تميز بشعار “الثلث-الثلث- الثلث”، وتأكد أن ثلث الوحدات الإنتاجية ستغلق أبوابها لضعفها وعدم قدرتها على المنافسة، والثلث الثاني يحتاج إلى التأهيل (الدعم الدولي)، والثلث الأخير كان مندمجا في السوق الدولية (تزامن هذا الاستنتاج مع العبارة المشهورة “المغرب مهدد بالسكتة القلبية”)، تمكنت الدولة من مباشرة التفاوض مع المنتظم الدولي عبر دورات في موضوع إشكالية التأهيل ونجحت على العموم في ذلك. وتميز العهد الجديد بمضاعفة الجهد في مجال تأهيل التراب الوطني وتهيئته (التجهيزات المهيكلة من طرق سيارة، وطرق وطنية وجهوية وإقليمية، ومطارات، وسكك حديدية، ومناطق صناعية، وتقنيات حديثة،…)، والحرص على تحقيق المستويات المطلوبة في تأهيل العنصر البشري من خلال الاستثمار الجدي في التكوين المهني. لقد احتضنت الدولة المغربية مجريات تنظيم التظاهرة الدولية التأسيسية للمنظمة العالمية للتجارة. لقد مر العالم، من تراب المملكة، من الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة إلى هذه المنظمة الجديدة ذات الشرعية الدولية وذات القوة المؤسساتية (الأمم المتحدة) والمالية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والغرفة التجارية الدولية). كما انخرطت الدولة منذ البداية في مسار خلق الأسواق الجهوية ومناطق التبادل الحر والأسواق المشتركة. ويمكن أن نقول أن المغرب نحج في امتحان التكيف مع التطورات الدولية والتي تميزت بخلق وسيطرة الشركات العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات والثورة الرقمية بتقنياتها الحديثة للتواصل والمكننة الإلكترونية.

وفي الأخير، يمكن أن نقول أن المغرب قد نجح إلى حد ما في تحسين الوظائف الاقتصادية (وظيفة الإنتاج، والوظيفة المالية، ووظيفة الموارد البشرية،….)، وكذا الوظائف السياسية دستور 2011). لكن كل هذه المنجزات لا يمكن أن تحجب على مصادر القرار في الدولة أن البلاد تحتاج إلى دينامية جديدة لإنتاج النخب السياسية والاقتصادية تفرز منطقا جديدا يضفي الثقة اللازمة على تحركاتها وخطاباتها. فإضافة إلى تقوية البنية الاستهلاكية، يحتاج المغرب إلى تقوية بنيته التصديرية وتنمية قدرته التسويقية واللوجيستيكية. إنها الحاجة إلى تحويل السياسة إلى محرك قوي للديناميات الاقتصادية والثقافية. إن نعمة الاستقرار الذي تميز بلادنا، وتقوي مكانتها الدولية، لا يمكن أن تكون إلا من بركات قدرة الدولة المغربية على تطوير وتكييف نموذجها الاقتصادي بارتباط وثيق مع حرصها الدائم على تحقيق نجاعة العمل السياسي.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي Hibazoom

تعليقات الزوّار

أترك تعليق

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.