24 ساعة

كاريكاتير اليوم

النشرة البريدية

أقلام حرة

الرئيسية | أقلام حرة | الحسيمة.. هل تصبح مهدا للثورة بالمغرب؟

الحسيمة.. هل تصبح مهدا للثورة بالمغرب؟

  منذ ما يزيد عن الأشهر الستة والمغرب يعرف احتجاجات شعبية بمناطق الريف بشمال البلاد فيما بات يعرف ب”حراك الريف” ويتعلق الأمر بمظاهرات حاشدة يومية تشمل مختلف فئات المواطنين بالمنطقة ترفع شعارات ذات طبيعة إصلاحية.

       فالمحتجون يرفعون مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية وصحية تتعلق بتعزيز البنى التحتية وخلق مناصب الشغل و مستشفى جامعي يشمل جميع التخصصات ومن أهمها قسم الأنكولوحيا الذي يعالج داء السرطان الذي تضطر الساكنة للتنقل من أجل الاستشفاء منه إلى عاصمة المملكة دون نسيان المعاناة التاريخية لسكان الريف من تبعات الأسلحة الكيماوية التي استعملت ضدهم من طرف المستعمرين. المطالب أيضا شملت بناء جامعة تكفي أبناء وبنات المنطقة عناء التنقل إلى تطوان وفاس ومكناس والرباط..

       وتذكرنا هذه المطالب “الإصلاحية” بنفس المطالب التي رفعتها ساكنة منطقة درعا مهد الثورة بسوريا الشقيقة والتي أدخلت البلاد في كارثة حقيقية بكل المقاييس.. لماذا تذكرنا؟..  لأن الساكنة هناك رفعت مطالب إصلاحية، وخرجت في مظاهرات حاشدة لم تهتم لها سلطة النظام الحاكم.. وحينما قرر التعامل معها، لجأ إلى سياسة القبضة الأمنية التي لم تؤدي إلا إلى رفع سقف المطالب من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بإسقاط النظام. الشي الذي ترتب عنه مواجهة عنيفة بعد تعامل النظام مع المحتجين بالعنف، وتحولت الاحتجاجات إلى ثورة، ثم إلى معركة أتت على الأخضر واليابس وأدخلت البلاد في كارثة لم يشهد التاريخ العربي لها مثيلا من حيث حجم الخسائر البشرية والمادية، والتي لا تزال تنكل بالبلد إلى يومنا هذا.. مع دخول قوى خارجية على الخط وتحول البلد إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بينها يدفع المواطنون والبلد ثمنها من دمائهم وارواحهم وكينونتهم بأسرها.

      ولا يستقيم التشبيه بين حالة احتجاجات درعا واحتجاجات أو حراك الريف، إلا حينما نتأمل حجم الجحافل والآليات “العسكرية”، والأعداد الكبيرة لعناصر الأمن والدرك والقوات المساعدة التي تم نقلها إلى مدينة الحسيمة، و كأن جيشا جرّارا بات يتربص بالبلاد هناك.. في الوقت الذي يتعلق الأمر باحتجاجات شعبية سلمية في غاية التنظيم بشهادة قيادات الأمن أنفسهم، حينما وصف أحدهم تكوين الشباب لسلسلة بشرية بسواعدهم لحماية “عناصر أمنية” لا مبرر لوجودها هناك سوى لقمع الحراك الشعبي.

      لكن تبقى الخاصية المغربية بامتياز، والتي تجعل الأمر لا يتجه إلى حد الآن إلى ما اتجهت إليه الأمور بسوريا الشقيقة الذبيحة، هي التعامل الخاص الذي تتعامل به أعلى سلطة بالبلاد مع مثل هذه الأوضاع الاحتجاجية، ظهر ذلك إبنان اندلاع الربيع العربي مع حركة 20 فبراير وخروج الشعب إلى الشارع حينما استل عاهل البلاد فتيل الغضب بخطابه التاريخي معروف بخطاب “9 مارس” ودخول البلاد في إصلاحات دستورية كللت بدستور 2011 المتقدم نسبيا على الدساتير السابقة. وهو نفس التعامل الذي يكف يد الجحافل الأمنية التي تكتفي بالاستعراض بغية الردع النفسي للاحتجاجات دونما تعامل مباشر مع المطالب.. مرورا بمحاولة استخدام الأغلبية الحكومية في بيانها المشين، الذي وجه اتهامات لا وطنية للمواطنين الذي لا يطالبون إلا بحقوقهم الدستورية والكونية، وصولا إل زيارة 8 وزراء للمنطقة بطريقة هجينة في محاولة يائسة لإظهار اهتمام الدولة بأساس المطالب وإقناع العالم الخارجي بعدم صدقية المطالب.. خطوات سلبية دالة على التدبير السيء للأزمة، لكن ايضا بها دلالة إيجابية تتلخص في محاولة إيقاف الاحتجاجات ولو بأساليب كاذبة ووهمية لكن دون اللجوء إلى القمع..

      قد تكون سياسة تدبير أزمة الحراك بالنسبة للنظام المغربي سيئة، ومشينة، ولا تخلوا من خساسة في محاولة تدنيس هذا الحراك الرائع والحضاري، لكنها تظل ذات دلالة قوية  في أن رأس النظام ونعني هنا المؤسسة الملكية حريصة كل الحرص على تفادي المواجهة العنيفة المباشرة مع الشعب والتي قد تدخل البلاد لا قدر الله إلى نفس حالة درعا السورية..

      يبقى التحليل غير مستوف إذا ما لم نضع فرضيات تفسر سلوك النظام، السلبي في غالبه والإيجابي في نتائجه أمنيا حتى الآن، لهذا يمكن أن نضع فرضيتين أساسيتين تفسران السلوك الأمني للنظام مع حراك الريف.

      تقول الفرضية الأولى وهي الأسوأ ان أي تعامل إيجابي مباشر مع المطالب سيكرس تلك النزعة التفوقية المعروفة في أهل الريف باعتبارهم أهل شدة وبأس، وأنهم استطاعوا إخضاع “المخزن” المسيطر على الدولة بكل مناحيها. وبالتالي تتحول الأمور من حراك ذو مطالب شعبية إلى حراك ذو مطلب انفصالي.. وهذا ما يفسر بيان الأغلبية الحكومية التي ليست سوى لسان ناطق “المخزن” .. وقد تبت فساد هذه الفرضية بدليل تخلي الحكومة عن خطاب التخوين والتحول إلى إظهار الإنجازات والتكذيب من خلال إظهار منجزات على قلتها، وأخرى في الطريق وتسخير الإعلام الرسمي لصقلها وإظهارها في أعلى صورها الإيجابية.

      الفرضية الثانية اقل سوءا لكنها تظل خبيثة، وتتجلى في تفادي الرضوخ المباشر للمطالب الشعبية لكي لا يتحول الحرك الشعبي إلى وسيلة فعالة لتحقيق المطالب وبالتالي ينتقل الحراك إلى جميع مناطق وربوع البلاد، ولهذا لابد من ردع الحراك، لكن بطرق لا عنفية إرضاءا للأسياد الذين يملكون ناصية البلاد ماليا ويفرضون عليها سياساتها التقشفية الحالية، ونعني هنا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أولا والمستثمرين الأجانب الذين يسعى المغرب إلى جلبهم بداعي استقرار البلاد الأمر الذي سيتنافى وحالة تصاعد الاحتجاجات الشعبية. ويفشل كل مخططات الدولة المخزنية.

      والنتيجة تظل مرتهنة بقرار أعلى سلطة، الملك محمد السادس، والتي بدا جليا أنه يتبع نفس نهج سلفه وأبيه الراحل الحسن الثاني ، والذي أكد في خطابات عديدة على العلاقة المرنة التي تجمع العرش بالشعب. ينصاع حينا يشتد الشعب وينصاع الشعب حينما يشتد العرش.. والحال هنا أن الشعب انصاع كثيرا والآن اشتد.. فهل سينصاع الملك ويخرج البلد من هذه الأزمة باستخدام وظيفته التحكيمية كما فعل دائما؟؟ سؤال لن يجيب عنه سوى التدخل المباشر للملك في هذه الأزمة، والذي يبدو وشيكا رغم ما تظهره بطانته له من خلال تنظيم خرجات للملك بفاس وكأن البلاد تعيش في حالة عادية ولا مشكل لديها مع المواطنين، وحتى يسلط الإعلام الرسمي الضوء بكل بلادة على الملاين ومل ملايير الدراهم التي رصدت لإعادة إحياء المدارس العتيقة لفاس، في الوقت الذي تخرج فيه جحافل المواطنين لما يزيد عن نصف سنة تطالب بالخبز !!  فهل يريد هذا الإعلام المريض وتلك البطانة السيئة أن تظهر عاهل البلاد وكأنه لا يكترث لربع ساكنة البلاد ويتجاهلها نهائيا؟؟ هل يريدون الفتنة؟؟ خصوصا وأن تاريخ المغرب مليء بالمواقف التي تؤكد التلاحم بين العرش والشعب، بل تؤكد إنصات العرش لمطالب الشعب.. وإلا، لم يوجد هذا العرش أصلا؟؟ أليس لخدمة الشعب كما يعبر الملك دائما في خطاباته باستعمال كلمة “خديمكم”؟؟

      لقد كشفت احتجاجات الريف عن هشاشة المخزن الذي يبدو أنه مات بموت البصري.. وكل ما نراه حاليا هو الشكل.. حيث تصدق المقولة الشعبية ” إذا مشات الصحة.. كيبقى الفانت” الفانت الذي يجسده الحضور الأمني الكثيف بالحسيمة والذي يعتبر جزأ من المشكلة لا من الحل.. فهل سيعي أصحاب أطروحة المخزن الدرس، ويتجهون بالبلاد بشكل سلمي نحو الديمقراطية الحقيقية.. أم أنه من قدر البلاد أن تؤدي فاتورة ما؟؟ السؤال يبقى معلقا.. لكن ستجيب عنه الأيام والشهور وربما السنوات القادمة. السلام عليكم.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي Hibazoom

تعليقات الزوّار

أترك تعليق

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.