سعيد سونة يكتب: الأسباب الخطيرة الثماني وراء تكليف سعد الدين العثماني
134650

 

يطمح الراسخون في تضاريس النضال التواق للديموقراطية بالمغرب ، إلى الرفع من منسوب تسييس الشعب المغربي ، حتى يكون فعلا إيجابيا ، منخرطا في تزكية طرح النخبة ، الذي يروم إلى تعزيز الديموقراطية بشعب لديه كامل الوعي بمحيطه السياسي وبواجباته وحقوقه .

لكن في كل حدث يخيب تحقيق هذا المسعى ، الذي أصبح يتحول مع الوقت إلى إشكال بنيوي ، يعيق تمنيع الجسد السياسي المغربي من كل ردة أو نكوص ، وتجلى ذلك واضحا في تعاطي المغاربة مع خبر إعفاء بنكيران من تشكيل الحكومة ، وتعيين سعد الدين العثماني كبديل لإنجاز المهمة ، حيث ساد التسرع والشتم والشماتة و الفرح والكرب في مشهد يحزن كل الذين يحلمون بالديمقراطية في مملكتنا الشريفة ، فكانت الشعبوية الذميمة تسري في دماء كل من تسمر وراء الحاسوب ليتفاعل مع الحدث عبر قنوات التواصل الإجتماعي .

فبدل ترك المجال للقراءات الرصينة البعيدة عن القراءة الإندماجية ، استغولت الخطيئة بالقيم والأشخاص ، و انكمشت رشاقة البعد الإسترتيجي للحدث ، في نسخة كربونية مع كل موعد ينتظر من يتجنب اغتصاب حقوقه .

فدعونا نذهب على الأقل لتعداد الأسباب الإستراتجية منها والظرفية في إبعاد بنكيران وتعيين العثماني :

أولا : ليس من السهل مراوغة المتتبعين على أن التعيين لم يكن ذاهبا للرميد ، وأن هذا الأخير بدهاء استباقي، رفض الأمر بحجة أنه ليس" بن عرفة " العدالة والتنمية على حد تعبيره ،مع أن الملك لم يستقبله اعتباطيا عشية تكليف بنكيران ، بل هي إشارة دالة ، تفيد انه في حالة فشل بنكيران سيتولى الرميد المهمة .
.
ثانيا : تعيين سعد الدين العثماني بصفته الرجل الثاني في الحزب ، لشغله رئاسة المجلس الوطني للمصباح ، في صالح النظام ، من ناحية تسويق نفسه على أنه احترم التراتبية الحزبية بغية ترسيخ الإختيار الديموقراطي ، و المشي إلى جنب إلى جنب منطوق الدستور .

ثالثا : ومن يقينيات المخزن التي لايمكن أن يهال عليها التراب ، أن له سيكولوجية خاصة في اتقان فن التفاوض ، فتغيير المفاوض الأول بالمفاوض الثاني يعني المزيد من التنازلات ؟؟؟ فإذا تشكلت الحكومة بدون الاتحاد الاشتراكي سيكون النظام غبيا وستنفضح المؤامرة على أن ماسمي "البلوكاج " استخدم فيه حزب الاتحاد الاشتراكي كورقة تكتيكية لإزاحة بنكيران فقط ، وهذا الأمر سيكون له مابعده وقد يدفع قواعد العدالة والتنمية إلى الخروج عن العثماني ، وسيعيش الحزب على وقع رجة عميقة .

رابعا: اذا رفض العثماني مشاركة الاتحاد وتمسك اخنوش بالشروط السابقة ، وتمسك العثماني بنفس شروط بنكيران كما نص على ذلك بيان المجلس الوطني ، فإن النظام سيذهب لامحالة للتقنوقراط وهذا حلمه منذ زمن بعيد امتثالا لنظرية " الفعالية " للراحل مزيان بلفقيه ، ومن ثم سيبرر توجهه ، بترهل وعدم جاهزية الفرقاء السياسيين لرفع التحديات الداخلية والخارجية للمملكة .

خامسا: لايخفى عن الجميع أن العثماني له موقف جد متشدد من إسرائيل حتى أن سبب طرده من وزارة الخارجية يرجع إلى رفضه الجلوس في أي مؤتمر يستدعي الكيان الإسرائيلي ، عكس ما يروج عن الرجل بأنه قطعة جبن سهلة الأكل من كل جانب ، ويبقى الأمر مزعجا ، أو جانبا مظلما في الرجل من وجهة نظر المخزن ، حيث أن اللوبي الإسرائيلي يلعب دورا قويا في تشكيل الرأي العام الدولي ، وهو معطى ثابت في عقيدة الدبلوماسية المغربية في قضية الصحراء المغربية .

سادسا: طبعا يبقى طبيب العلل الروحية سعد الدين العثماني ، عكس سلفه بنكيران لايتقن فن الإرتجال والخطابة، فهو ليس ظاهرة صوتية كبنكيران لكنه قوي الشخصية عمليا ، ولو أنه يستدرج خصومه إليه ، تحت ذريعة أنه كائن غير صدامي، لكن المحصلة تصرخ أن مواقفه قوية ومتصلبة ، يشتغل أكثر مما يتكلم ، لكنه إسلامي حتى النخاع و صديق حميم لاردوغان ، شغوف جدا بتجربته ، وفي هذا الكثير من الدلالات.

سابعا: تبقى النقطة التي غدت قارة في فلسفة النظام ، الإشتغال إعلاميا على "أرانب سباق " حتى تفاجئك بالمتباري الحقيقي ، كما فعلت " بالج 8 " لكي يفوز البجيدي ويظهر النظام وديعا لايمتلك حيله تجهيز الفائز قبل انتظار النتائج ، وهكذا تلاعب المخزن باسم الرباح إعلاميا حتى يظن الجميع أن القصر يريد شخصا منبطحا لكنه فاجأهم بالشخص الثاني من الناحية التنظيمية في العدالة والتنمية ، مما دفع قواعد الحزب إلى تخوين الربا ح أو "الذئب" كما يلقب عند العدلاويين .

ثامنا: علمنا تاريخ المخزن أن لاشيء يحسم وأنه دائما في حالة تسخينات ، وأن المفاجأة هي العشيقة المفضلة للنظام المغربي ، ومرة أخرى يثبت أننا شعب متسرع ، لأن كم المعطيات الجديدة التي ستظهر لامحالة ستعيد ترتيب الأولويات وفق مايشتهيه المشتهي، لكن تبقى الحقيقة الأفقية أن المخزن يمر بتمرين حقيقي ، فهو من جهة يريد الإبقاء على قوته في الداخل ولو استدعى الأمر الإجهاز على كل التراكمات، و من جهة أخرى لايقوى على خسارة سمعته دوليا كنظام ديمقراطي يحرص على الدستور و قادر على استيعاب جميع التعبيرات السياسية و لو كانت اسلامية.
.
.

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية