نباش القبور

هبة زووم - ليلى البصري
روي انّه دخل معاذ بن جبل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم باكياً فسلّم، فردّ عليه السّلام ثم قال : ما يبكيك يا معاذ ؟ فقال : يا رسول الله انّ بالباب شابّاً طريّ الجسد، نقيّ اللون، حسن الصورة، يبكي على شبابه بكاء الثكلى على ولدها، يريد الدخول عليك.
 
فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم:
ادخل عليّ الشاب يا معاذ، فأدخله عليه، فسلّم فردّ عليه السلام، ثم قال: ما يبكيك يا شاب؟
قال: كيف لا أبكي و قد ركبت ذنوباً ان أخذني الله عزّ و جلّ ببعضها أدخلني نار جهنّم، و لا أراني الا سيأخذني بها و لا يغفر لي أبداً.
 فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
 هل أشركت بالله شيئاً ؟
قال: أعوذ بالله أن اُشرك بربّي شيئاً ،
قال: أقتلت النفس التي حرّم الله؟
قال: لا، فقال النبي صلّى الله عليه وَسَلَم:
يغفر الله لك ذنوبك وان كانت مثل الجبال الرواسي. فقال الشاب ، فانّها أعظم من الجبال الرواسي ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : يغفر الله لك ذنوبك وان كانت مثل الأرضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق ، قال : فانّها أعظم من الارضين السبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق.

فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السماوات ونجومها ، ومثل العرش والكرسي ، قال : فانّها أعظم من ذلك.
قال : فنظر النبي صلّى الله عليه وسلّم إليه كهيئة الغضبان ، ثم قال : ويحك يا شابّ ذنوبك أعظم أم ربّك ؟
فخر الشاب لوجهه وهو يقول : سبحان ربيّ ما شيء أعظم من ربّي ، ربّي أعظم يا نبيّ الله من كل عظيم. فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : فهل يغفر الذنب العظيم الا الرب العظيم الا الرب العظيم قال الشاب : لا والله يا رسول الله ثم سكت الشاب ، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: ويحك يا شاب ألا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك ؟

قال : بلى اُخبرك ، انّي كنت أنبش القبور سبع سنين اخرج الأموات ، وأنزع الأكفان ، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار ، فلمّا حملت إلى قبرها ودفنت وانصرف عنها أهلها وجنّ عليهم الليل ، أتيت قبرها فنبشتها ، ثم استخرجتها ونزعت ما كان عليها من أكفانها ، وتركتها متجرّدة على شفير قبرها ، ومضيت منصرفاً. فأتاني الشيطان فأقبل يزيّنها لي ويقول : أما ترى بطنها وبياضها ؟ أما ترى وركيها ؟ فلم يزل يقول لي هذا حتى رجعت إليها ، ولم أملك نفسي حتى جامعتها وتركتها مكانها ، فاذا أنا بصوت من ورائي يقول : يا شابّ ويل لك من ديّان يوم الدين ، يوم يقفني واياك كما تركتني عريانه في عساكر الموتى ، ونزعتني من حفرتي وسلبتني أكفاني ، وتركتني أقوم جنبة إلى حسابي ، فويل لشبابك من النار ، فما أظنّ انّي أشم ريح الجنة ابداً ، فما ترى لي يا رسول الله ؟

فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : تنحّ عنّي يا فاسق انّي أخاف أن أحترق بنارك فما أقربك من النار. ثم لن يزل يقول ويشير إليه حتى أمعن من بين يديه ، فذهب فأتى المدينة فتزوّد منها ، ثم أتى بعض جبالها فتعبّد فيها ، ولبس مسحاً ، وغلّ يديه جميعاً إلى عنقه ونادى : « يا رب هذا عبدك بهلول ، بين يدك مغلول ، يا ربّ أنت الذي تعرفني ، وزلّ منّي ما تعلم سيدي ، يا ربّ أصبحت من النادمين ، وأتيت نبيك تائباً فطردني وزادني خوفاً ، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تخيّب رجائي سيدي ، ولا تبطل دعائي ، ولا تقنّطني من رحمتك ».

«فلم يزل يقول ذلك أربعين يوماً وليلة ، تبكي له السباع والوحوش ، فلمّا تمت له أربعون يوماً وليلة رفع يديه إلى السماء وقال : «اللهم ما فعلت في حاجتي ؟ ان كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي ، فأوح إلى نبيك ، وان لم تستجب لي دعائي ، ولم تغفر لي خطيئتي ، وأردت عقوبتي فعجّل بنار تحرقني ، أو عقوبة في الدنيا تهلكني ، وخلّصني من فضيحة يوم القيامة».

فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136))

(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) يعني الزنا ( أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ) يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا ، و نبش القبور و أخذ الأكفان ( ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) يقول : خافوا الله فعجّلوا التوبة ( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ). يقول عزّ وجلّ : أتاك عبدي يا محمد تائباً فطردته، فأين يذهب؟ وإلى من يقصد؟ ومن يسأل أن يغفر له ذنباً غيري؟ ثم قال عزّ وجلّ : ( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ) يَقُول: لم يقيموا على الزنا و نبش القبور وأخذ الأكفان ( اُولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم و جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و نعم أجرُ العاملين ).
فلمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج وهو يتلوها ويتبسّم ، فقال لأصحابه : من يدلني على ذلك الشاب التائب ؟

فقال معاذ: يا رسول الله بلغنا انّه في موضع كذا وكذا. فمضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه حتى انتهوا إلى ذلك الجبل فصعدوا إليه يطلبون الشاب ، فاذا هم بالشاب قائم بين صخرتين ، مغلولة يداه إلى عنقه ، قد اسود وجهه ، وتساقطت أشفار عينيه من البكاء ، وهو يقول : « سيدي قد أحسنت خلقي ، وأحسنت صورتي ، فليت شعري ماذا تريد بي ؟ أفي النار تحرقني ، أو في جوارك تسكنني ؟ اللهم انّك قد أكثرت الاحسان إليّ وأنعمت عليّ ، فليت شعري ماذا يكون آخر أمري ، الى الجنة تزفّني ؟ أم إلى النار تسوقني اللهم انّ خطيئتي أعظم من السماوات والأرض، وكرسيّك الواسع ، وعرشك العظيم ، فليست شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة ؟ ».

 
فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثو التراب على رأسه ، وقد أحاطت به السباع ، وصفّت فوقه الطير ، وهو يبكون لبكائه ، فدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأطلق يديه من عنقه ، ونقض التراب عن رأسه ، وقال : يا بهلول أبشر فانّك عتيق الله من النار. ثم قال : صلّى الله عليه وآله وسلّم لأصحابه : هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول ، ثم تلا عليه ما أنزل الله عزّ وجلّ فيه ، وبشّره بالجنّة ""

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية