من كان شيطان إبليس حينما عصى الله؟

هبة زووم ـ ليلى البصري
أخبرنا الإسلام أن آدم أبو البشر، و أن إبليس أبو الجن…
و أن الشيطان يغوي البشر لإرتكاب الذنوب و المعاصي بحق خالقهم؛ فالخيلاء و الكبر و العصيان و التمرد و الكراهية و الحسد و الباطل و الغواية و الخبث و الخداع و غيرها من الصفات التي يبغضها الله سبحانه و تعالى… كلها من صفات الشيطان، و بها يكيد لنا.

و قد حذرنا منه رب العزة في كثير من الآيات في كتابه الكريم. كقوله في سورة فاطر: { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ}6. كما بين لنا في كثير من الآيات كيف تمكن الشيطان من غواية ابن آدم، و جعله يستسهل معصية الله… ليتبرء منه بعد رميه إلى التهلكة… { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } الحشر (16).

و كيف قام بغواية جدنا آدم عليه السلام و تسبب في غضب الله عليه و معاقبته و خروجه من الجنة: { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } البقرة(36).

و لا يزال الشيطان يغوي الإنسان، ويشجِّعه على افتراء الكذب على الله، ليُحرِّم ما أحلَّه له، ويحلِّل ما حرَّمه عليه… إلتزاما بوعده أمام الله و هو الغرور: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾الاعراف.

السؤال الذي يراودني هو:
الشيطان، عندما عصى الله، من غواه، و من كان شيطانه؟؟

فلنتدبر القرآن قليلا:

كما حذرنا الله سبحانه و تعالى من الشيطان، فإنه قد حذرنا كذلك من ” النفس ” و هواها الذي يسوق الكثير من الناس إلى الكوارث… و حثنا على مجاهدة النفس و تأهيلها للسير على سراط الله المستقيم، وكبح جماحها، من أن تشذ عن طاعته سبحانه و تعالى إلى معصيته و طاعة عدوه و عدونا: الشيطان الرجيم.

و حذرنا من أنفسنا في كتابه الكريم في العديد من السور: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ… } (النساء:79)، { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ… } آل عمران165، كما حذرنا من هوى النفس الذي يضل عن سبيل الله و يؤدي بتابعه إلى خسارة الدنيا و الآخرة: { و لَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ص 26.

و بالمقابل و عد من يجاهدون أنفسهم و يزكوها خوفا من الله بالجنة: { وَ أَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }النازعات:40-41

إن تلك المجاهدة لأمر شاق… لازم… و أبدي… شاق لما جُبلت عليه النفس البشرية من عشق للانطلاق غير المحدود و النهل بغير حساب، من كل الشهوات و الملذات.. شاق لوفرة تلك الشهوات و الملذات، لدرجة لا تدع النفس تطمئن لحظة من اللحظات دون أن تهيج إلى هذه الشهوة أو تلك، و لازم لأن المجتمع يتستر، و يعين على ارتكاب المعاصي وترك الطاعات… و ما من سبيل إلى النجاة بكبح لجام النفس. و أبدي ما دام في الأرض أنفس جامحة و ما دام الشيطان، لعنة الله عليه، نشطا لا يفتر عن الحض على التمرد على الله بشتى الأساليب و الوسائل!

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: اتفق السالكون إلى الله أن النفس قاطعة، بين القلوب و بين الوصول، إلى الرب طريقاً، ولا يوصل إليه إلا بعد إماتـتـها، فالناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فأهلكته، و قسم ظفروا بنفوسهم، فصارت منقادة لأوامرهم.

فالذي أغوى الشيطان بدون أدنى شك هو نفسه، و لست أعرف له من نفس سوى (( الأمارة بالسوء ))، و لِكثيرٍ من البشر وساوس أَََنْفُسٍ ألعن و أخطر من وسوسة الشيطان، لبعدهم الشديد عن الله. يجب أن نعلم أن عدونا الخفي و القوي هو أنفسنا، لان الشيطان مهما خفي، و مهما بلغ كيده من قوة في نظرنا، فهو كما أخبرنا ربنا، لا سلطان له على عباده إلا من جرته نفسه إلى اتباعه: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ }الحجر(42)، و يظل كيده ضعيفا بشهادة من لا شهادة بعد شهادته: { إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } النساء(76).

لكن ماهي النفس أولاً؟

التعريف اللغوي لكلمة نفس:
كل ما يدل على خروج النسيم كيفما كان، من هواء أو غيره… وإليه ترجع كل فروع التنفس. وسميت نفساً لتولّد النفس منها واتصاله بها، و قد ورد في كتب اللغة العديد من التعريفات للنفس منها: ( العين، الدم، الجسد، نفس الشئ عينه وذاته، الروح، العند، العقل، العظمة، الكبرياء، العزة، الهمة، الأنفة، الإرادة، الإنسان جملة روحاً و جسداً، القوة والجلد، الغيب، العقوبة، الحقيقة،… )

معنى النفس من النظرية الدينية:

وردت كلمة ”نفس” في القرآن الكريم ( 295 مرة) بعدة أشكال و بصيغ مختلفه…
و قد وصف سبحانه و تعالى النفس بثلاثة صفات: * المطمئنه، * والأمّارة بالسوء، و اللوامة.
يقول ابن القيم رحمه الله في النفس:

النفس المطمئنة:

هي التي سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، واشتاقت إلى لقائه، وهي التي يقال لها عند الوفاة:
{ياأيّتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية ً مرضيّه ** الفجر[ 27، 28 ].
فإذا اطمأن المرء من الشك إلى اليقين، و من الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرياء إلى الإخلاص، و صل إلى اليقظة التي كشفت عنه سِـنـَة َ الغفلة، فرأى سرعة انقضاء الدنيا، فاستقبل بقية عمره مستدركاً ما فات، و يرى في تلك اليقظة عيوب نفسه، و عزة وقـته، و هي أول منازل النفس المطمئنة التي ينشأ منها سفرها إلى الله و الدار الآخرة.

النفس اللوامة:

المجاهدة الصابرة: قال تعالى: {ولا أقسم بالنفس الـلوامة [ القيامة : 2 ].
قيل هي كثيرة التقلب، فتذكر و تغفل، و تقبل و تعرض، و تحب و تبغض، و تفرح و تحزن، و ترضى وتسخط.
وقد قيل: هي نفس المؤمن. قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائماً.
وقيل اللوم يوم القيامة، فإن كل أحد يلوم نفسه، فإن كان مسيئاً على إساءته وإن كان محسناً على تقصيره.

النفس الأمّارة بالسوء:

المفتونة بالشهوات والهوى: هي التي تأمر صاحبها بما تهواه، وقد أخبر سبحانه أنها أمّارة بالسوء في قوله تعالى :
{ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربّي } يوسف : 53.
ولم يقل: ( آمره ) لكثرة ذلك منها، و أنّه عادتها، لأنها خُلقت في الأصل جاهلة ظالمة و هي المذمومة، فإنها التي تأمر بكل سوء و هذا من طبـيـعتها إلا إن وفقها الله و ثـبـّتـها و أعانها، فما تخلص أحد من شر نفسه إلا بتوفيق الله، قال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم مّن أحد ٍأبداً[ النور : 21 ].
و أن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تـنصبّ ثم تـنـبـعـث منها إلى الأعضاء، وأول ما تنال القلب.

و يقول الرسول صلى الله عليه و سلم في خطبة الحاجة:
( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا )، و قد علم صلى الله عليه و سلم لحصين بعد أن أسلم: ( اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي ).
لذا علينا ألا نترك العدو الحقيقي و نرمي باللوم كله على عدو ضعيف بشهادة من رب العزة جل جلاله، فهوى النفس إذا اتحد مع الشيطان، تمكن من الإنسان، و جعل منه عبداً له لا يصغي لشرع و لا يلتفت إلى وازع ديني، و لا يهتم لقوانين… بل تجده يفعل ما تشتهيه نفسه مهما كلفه ذلك من خسائر… و أول جريمة في التاريخ كان سببها النفس: ( قتل قابيل لأخيه هابيل ) يقول الله تبارك وتعالى: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } و لم يقل فأغواه الشيطان.

و في قصة يوسف، توضح لنا الآيات الكريمة كيف اتحدت النفس الأمارة بالسوء مع الشيطان لارتكاب تلك الجريمة الشنعاء في حق نبيين من أنبياء الله، يوسف و يعقوب عليهما السلام:
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ } يوسف83.
{مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ} يوسف(100)

علينا أن نتوقف عن قول: ( أغواني الشيطان) عند كل فعل محرم، أو معصية نأتي بها، فإن مدخل الشيطان على الإنسان هو النسيان، و الغواية؛ ينسيك الحساب و الثواب و العقاب، و يمنى نفسك عن طريق الغواية، ثم تنساق له، فتوقعك في المحظور!

الأكيد أن الشيطان للإنسان عدو مبين، لكنه ذو كيد ضعيف كما أخبرنا الحق سبحانه، و الذي يجعل منه قوة تشكل خطورة على المرء هو اتحاده و انسجامه مع النفس الأمارة بالسوء… فإن لم يؤدبها و يشكمها و ينهها عن الهوى، فالعاقبة تكون وخيمة في الدارين.
الحديث عن النفس قي القرآن الكريم طويل و شيق… كتاب الله، منه و به نتعلم كيف نرقى بأنفسنا من (( أمارة بالسوء)) إلى (( لوامة))، علها تلقى ربها و هي ((مطمئنة))، راضية مرضية.

اللهم آت أنفسنا تقواها، و زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها و مولاها.

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية