حكم زواج المسلمة من مسيحي و الحكمة في ذلك

تعريف الزواج

إنّ الزّواج في اللغة يعني عقد التزويج، و يكون بمعنى وطء الزّوجة.
قال أبو علي القالي: فرّقت العرب فرقاً لطيفاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانةً أو بنت فلان أرادوا عقد التّزويج، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا الجماع والوطء.
معنى النّكاح في الشّرع: تعاقد بين رجل و امرأة يقصد به استمتاع كل منهما بالآخر، و تكوين أسرة صالحة، و مجتمع سليم.
و لا يقصد بعقد النّكاح مجرّد الاستمتاع، بل يقصد به تكوين الأسرة الصّالحة والمجتمعات السّليمة، و قد يغلب واحد من هذين القصدين على الآخر، و ذلك لاعتبارات معيّنة، و ذلك بحسب حالة الشّخص.

حكم النكاج

إنّ النّكاح يعتبر مشروعاً مؤكّداً في حقّ كل إنسان له شهوة و قادر عليه، و هو من سنن الأنبياء، و ذلك لقوله سبحانه و تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً) سورة الرعد، 38 ، فعن أنسٍ رضي الله عنه: (أنَّ نفرًا مِن أصحابِ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - سألوا أزواجَ النبيِّ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - عن عملِه في السرِّ؟ فقال بعضُهم: لا أتزوَّجُ النِّساءَ.
و قال بعضُهم لا آكلُ اللَّحمَ.
و قال بعضُهم: لا أنام على فراشٍ.
فحمد اللهَ و أثنى عليه فقال: ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ لكنّي أصلي و أنامُ.
و أصوم و أفطرُ.
و أتزوَّج النّساءَ.
فمن رغب عن سُنَّتي فليس مِنِّي) رواه مسلم .
و قد قال بعض العلماء: إنّ التّزويج مع الشّهوة أفضل من نوافل العبادة، لما يترتّب عليه من المصالح الكثيرة، و الآثار الحميدة.
و من الممكن أن يكون الزّواج واجباً في بعض الأحيان، و مثال ذلك أن يكون الرّجل ذا شهوة قويّة، و يخاف على نفسه من المحرّمات، فيجب عليه أن يعفّ نفسه، و يكفّها عن الحرام (3)، و ذلك لقول النّبي صلّى الله عليه و سلّم: (يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، و أحصن للفرج، و من لم يستطع فعليه بالصّوم، فإنّه له وجاء) رواه البخاري.

شروطه النكاح: إنّ عقد الزّواج له مجموعة من الشّروط المهمّة، منها: رضا كلا الزّوجين: و بالتالي فإنّه لا يجوز أن يتمّ إجبار الرّجل على أن ينكح امرأةً لا يريدها، و لا تُجبر المرأة في المقابل على أن تنكح شخصاً لا تريده، قال الله سبحانه و تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً) سورة النساء، 9 ، و قال النّبي صلّى الله عليه و سلّم: (لا تنكح الأيّم حتّى تستامر، و لا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله و كيف إذنها؟ قال: أن تسكت) رواه البخاري و قد نهى النّبي - صلّى الله عليه و سلّم - عن أن تزوّج المرأة بغير رضاها، سواءً أكانت ثيّباً أم بكراً، إلا أنّ البكر يكون سكوتها علامة رضاها، لأنّها من الممكن أن تستحي أن تصرّح برضاها، و أمّأ الثّيب فلابدّ من أن تنطق بالرّضا، و إذا امتنعت المرأة عن الزّواج فإنّه لا يجوز لأحد أن يجبرها على ذلك، و ذلك لقوله صلّى الله عليه و سلّم: و البكر يستأذنها أبوها، و لا يوجد أيّ إثم على الأب في عدم تزويجها في هذه الحالة، و ذلك لأنّها هي التي لم ترغب فيه، و عليه أن يحافظ عليها و يصونها.
الوليّ: لأنّ الزّواج لا يصحّ بدون وجود و ليّ، و ذلك لقول النّبي صلّى الله عليه و سلّم: (لا نكاح إلا بوليّ)، و لو أنّ المرأة قامت بتزويج نفسها فإنّ نكاحها باطل، سواءً أقامت بالعقد بنفسها أم وكّلت فيه، و أمّا الولي فهو: البالغ، العاقل، الرّشيد من عصباتها، مثل الأبّ، و الجدّ من قبل الأبّ، و الابن، و ابن الابن و إن نزل، و الأخ الشّقيق، و الأخ من الأب، و العمّ الشّقيق، و العمّ من الأب، و أبنائهم الأقرب فالأقرب.
و لا تكون هناك و لاية من الأخوة من أم، و لا من أبنائهم، و لا أبو الأم، و لا الأخوال، لأنهم غير العصبة، و يجب على الوليّ أن يختار الأكفأ من الخطّاب إن تعدّدوا، فإذا خطبها شخص واحد و كان كفؤاً، و رضيت هي به، فإنّه من الواجب عليها أن يزوّجها به، و على هذا الوليّ مسؤوليّة كبيرة يجب أن يكون على قدرها، و يجب عليه أن يرعى الأمانة، و لا يصحّ له إحتكارها لينتفع بأغراض شخصيّة، أو أن يزوّجها بشخص غير كفؤ، و ذلك لقوله صلّى الله عليه و سلّم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة الأنفال، 27 ،  و قال الله سبحانه و تعالى: (إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) سورة الحج، 38، و قد قال النّبي صلّى الله عليه و سلّم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته)

حكم زواج المسلمة من مسيحي:

لقد اجتمع فقهاء المسلمين على أنّ زواج المسلمة من غير المسلم بغض النّظر عن ديانته هو أمر محرّم في الشّريعة الإسلاميّة، و ذلك لقوله سبحانه و تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) سورة البقرة، 221 ، و لقوله كذلك سبحانه و تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) سورة الممتحنة، 10 .

و قد قال ابن قدامة في كتابه المغني، و ذلك شرحاً لقول الخرقي: و لا يزوّج كافر مسلمةً بحال.
قال: أمّا الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال، بإجماع أهل العلم، منهم: مالك، و الشّافعي، و أبو عبيد، و أصحاب الرّأي.
و قال ابن المنذر: أجمع على هذا كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم.
و في حال كون المسيحيّ لا يعتقد أنّ عيسى المسيح هو ابن الله، فإنّ ذلك لا يجعله مسلماً بأيّ حال، و لا يكون مسلماً إلا في حال نطق بالشّهادتين، مع نيّته أن يدخل في الإسلام، و ذلك مع إقراره بمقتضاهما، و أن يعمل بهما، و إذا لم يفعل ذلك يعتبر كافراً غير مسلم، و يحرم عليه الزّواج من مسلمة بأيّ حال.

الحكمة من منع زواج المسلمة من مسيحي

إنّ الحكمة من تحريم زواج المسلمة من شخص غير مسلم أو كتابي، هو أنّ الإسلام دين يعلو و لا يُعلى عليه، و إنّ للزوج فيه قوامةً على زوجته، و هذا أمرممنوع في حقّ من كان كافراً، و ذلك لقوله سبحانه وتعالى: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) سورة النساء، 141، و في هذه الحالة فإنّه لا يؤمن على المرأة أن تميل إلى زوجها في حال دعاها إلى اعتناق ديانته، و لا يؤمن على الأطفال أن يقوموا باتباع والدهم في ديانته، و أمّا في حال تزوّج المسلم بامرأة كتابيّة فإنّ هذه المفاسد لا تكون موجودةً، لأنّ القوامة تكون للزوج المسلم، و من الممكن أن يؤثر هو على زوجته و بالتالي تسلم، و الزّوج هو المكلف بأن ينشئ الأولاد تنشئةً إسلاميّةً تحميهم من متابعة الأمّ في دينها، و في حال قصّر في هذا الأمر فإنّ حسابه يكون على الله عزّ وجلّ، و في حال زواجه من امرأة كتابيّة فإنّه يكون مؤمناً بكتابها غير المحرّف و بنبيّها، و بالتالي يكون لديهما أساس للتفاهم و يمكن لحايتهما أن تستمرّ، و أمّا الكتابي عند زواجه بالمسلمة فإنّه لا يؤمن بدينها، و لا يوجد بينهما أيّ طريقة للتفاهم و الوئام، و لذلك منع الشّارع هذا الزّواج ابتداءً.

المصدر: موضوع

شاهد أيضا :

التعاليق

لاتفوتك :

القائمة البريدية

استطلاعات الرأي

تابعنا بالشبكات الإجتماعية